الاثنين، 11 أكتوبر 2021

صداقة بقلم // عبد العظيم أحمد

 صداقة

ينطلق الصديقين الى عمق البادية للاصطياد والتمتع باحساس الحرية المطلقة وهذا ماتعودوا فعله بين الفينة والاخرى لقضاء اوقات يعتبرونها من اجمل واسعد الاوقات لكليهما… صحراء واسعة ومرتفاعات بسيطة متفرقه هنا وهناك …وتلف المكان الخيام المقطونه بساكنيها من البدو والمتسورة ببعض الحاجيات المتناثرة   والمستخدمة في حياتهم اليومية القاسية والصعبة بهذا الجو الحار الملتهب… وكذلك بعض الاغنام المتواجده حول المكان… ذات يوم وفي رحلة من الرحلات شعر الصديقين الصاحبين المتأخيين بعطش شديد فارادا الاقتراب من احدى هذه الخيام لطلب الماء منهم او اي شراب اخر يروي عطشيهما… وذا  بامراة ترعى الاغنام كانت قريبة من احدى هذه الخيام … فاقتربوا منها  رويدا رويدا… السلام عليكم…ترد المرأة وبتاني شديد وعليكم السلام… نريد بعض الماء فقد اصابنا واصاب خيلينا العطش االشديد فاليوم يبدوا اشد حرارة من اي يوما مضى… قربة الفتاة لهما قربة الماء ليشربوا منها… فما ان رفعت راسها حتى دق قلبي الصديقين من هول جمال هذه السيدة وكأنما قساوة البيئة لم تضع عليها اي من اثارها… بيضاء طويلة ممشوقة وعينين واسعتين يحددها الكحل الاسود الذي اضفى لها جمال وكانهما لؤلؤتين متسورتين  … عادوا الصديقين بعد ان شكروها على حسن صنيعها… عادوا ودون ان يفضح اي منهم للاخر بمشاعره بعد رؤية هذه المرأة… وبعد ايام من ذلك وكانما يهمس احدهما للاخر لماذا لانذهب للصيد… بدأ فاضل الكلام … ياصديقي مارايك بان نذهب للصيد فلعلنا ننجح هذه المرة بصيد جيد من الطيور؟ فاجابه صديقه مرتضى … كانك تقرأ ما في نفسي … نعم فلننطلق مع فجر يوم غد… انطلق الصديقان لهذه الرحلة والتي لم يكن القصد منها صيد الطيور بل صيد قلب هذه المرأة… انطلقوا والشوق يسابق خيليهما الى نفس الوجهه… الى نفس المكان… وعند الاقتراب من الديار وجدوا السيدة الجميلة مع اغنامها وكأنها كانت على عجلة من امرها … استوقفوها بالسلام والترحيب… فقابلتهم بابتسامة رقيقة تعرف طريقها جيدا للقلوب وكانها معزوفة موسيقية تتخلل مثل الماء البارد الى العروق لتطير بصاحبها فوق السماوات… فوق النجوم … بعيدا بعيدا حيث لاحدود تحدها وسحرها منتشرا في كل مكان … اه منك ومن روعتك ايتها السيدة البدوية الساحرة وكانك اخذت جمالك من جمال فجر البادية حين يطل بنوره على الارض او من ليلها حين تتزين بدفئ نيران الاعشاب المشتعلة بليل بارد… يتمتم كل في سره وباسلوبه وطريقته… ايها الساده الان موعد رجوعي وابي بالانتظار فان كان لكما حاجه اتبعاني الى خيمتنا وهي ليست بعيدة من هنا… فاطرقا الصديقين براسيهما فترجلا من فرسيهما يتبعون خطواتها من الخلف وارواحهما تسبقهما ترقص وتغني امام السيدة البدوية الجميلة… كان والدها الشيخ حامد واقف بانتظار ابنته وينظر اليها من بعيد بعينيه الغائرتين القويتين مترقبا طريق ابنته المتجهه نحوه. 

رحب الشيخ حامد بضيفيه بحرارة كعادته وكعادة كل الناس التي تقطن البادية فلطالما للضيف عندهم جل الاحترام والتقدير وضيافة الضيف من الامور المقدسه عندهم. من مجريات الكلام عرف الصديقين بان ابنة الشيخ الجميلة واسمها هلا… غير متزوجه وهذا مااضفى لقلبي الصديقين بهجه وسعادة لاتوصف… ماهي الاايام واذا بفاضل وابيه يطرقون بيت الشيخ حامد طالبين ابنته هلا للزواج … فلم ياخذ الامر وقتا طويلا حتى تزوجا وانتقلت للعيش مع فاضل في القرية التي يعيش فيها… فكانت من اجمل ايام حياته … اما مرتضى فقبل بالامر الواقع على مابدى رغم حزنه الشديد على خسارة هلا … اصبح التقاء الصديقين قليل جدا ففاضل متزوج وجل وقته مع زوجته وشؤونه الاخرى لتوفير متطلبات الحياة الكريمة له ولزوجته هلا… بعد سنة من الزواج قام فاضل وبدون سابق انذار بان دخل على هلا … فقال لها احزمي اغراضك لاخذك لابيك فلابد انه مشتاق لك جدا وانت كذلك … فرحت كثيرا فحزمت بعض اللوازم المهمة وطلب منها اخذ مجوهراتها معها ايضا …انطلقوا ذاهبين الى دار الشيخ حامد … استقبلهم الشيخ حامد بفرح شديد … فاقترب فاضل من الشيخ ورفع بوجهه نحوه …فالشيخ حامد رجل طويل جدا قياسا بطول فاضل… ورشيق الجسم ومازالت عليه علامات القوة والصلابة رغم كبر سنه ولحيته البيضاء تغطي وجهه ضافية له شيء من الهيبة والوقار. شعر الشيخ حامد بان فاضل يريد ان يكلمه لما شاهده من تجهم على ملامحه… خير ياولدي ؟ ياشيخ هذه ابنتك وهذا موخر صداقها وكل اغراضها الاساسية معها الان… ياشيخ بنتك طالق … اخذتها منك بالمعروف وها انا اردها لك بالمعروف…. كان فاضل حزين جدا ومتجهم… غادر فاضل المكان مسرعا تاركا هلا في حيرتها وهي تبكي وتنوح على زوجها الذي طلقها وغادرها من غير رجعه…  غادر فاضل بعد ان استجمع قواه على مغادرة قريته ايضا الى قرية اخرى في مكان بعيد لانه اراد ان يبتعد وينسى كل شيء يذكره بهلا… لم يستطع احد ان يثنيه عن عزمه في المغادرة ولم ينجح اباه المسن في محاولاته ايضا.. كان فاضل متظاهرا بالهدوء والحق انه كان يشتعل حزنا وغضبا… بعد الحادثه باشهر بسيطة بدأ الشيخ حامد يلاحظ تواجد مرتضى في المنظقه التي ترعى هلا بها الاغنام ولم يتقدم للافصاح عن نيته و مبتغاه. وبدأ الشيخ حامد يشتعل غضبا بعد كل مره يشاهد فيها مرتضى في هذه المنطقة… لم ينتظر الشيخ حتى واجهه في مره من المرات فبادره … ماذا تفعل هنا يا مرتضى … شاهدتك عدة مرات فما سبب تواجدك هنا باستمرار ودون انقطاع؟ جف حلق مرتضى مرتعدا من الخوف … لاشيء ياشيخ كنت اريد مقابلتك لاكلمك  في موضوع مهم … رد الشيخ بعد ان افاق من موجة غضبه … ماذا وراءك … ماذا تريد ؟ فدق قلب مرتضى وحاول التملص  من الشبهات فرد عليه قائلا وقد علا وجهه الاصفرار… انا كنت اريد ان اكلمك باني اريد … اريد ان اطلب هلا للزراج… فقال له الشيخ وبدون تفكير … دعني اناقش الموضوع مع هلا وتعال الى هنا الاسبوع القادم … الاسبوع القادم وليس قبله… فقال وبصره زائغا ونسمات السكينه قد حلت عليه بعد صدمة زحمة الخوف التي راودته بعد حديث الشيخ حامد له… عاد مرتضى بعد اسبوع للشيخ حامد ليساله عن طلبه … تزوج مرتضى هلا وانتقلت معه لمنزله وقد حفت كما يبدوا  عليهما السعاده ...بعد حوالي اشهر فقط من زواجهما بداء مرتضى يشك بسلوك زوجته وكانما يخيل له بانها تخونه مع شخص اخر… فبدأ الشك يثقل صدره وشعوره بالضيق لم يعد يبرحه… ذات يوم قال لها بعد ان خرج من صمته مدعيا بانه يريد ان يسافر وسيعود بعد عدة ايام… اعدت هلا له ماقد يحتاجه في رحلته من بعض الملابس والطعام والشراب… تبودلت النظرات بينهما ثم استادر مودعا المكان واهله… وصل مرتضى الى مكان وليس بالبعيد عن بيته مراقبا بعينين حادتين تترقب بين الحذر والرجاء زوجته… انتظر نهارا كاملا وهو يستظل تحت شجره وحتى الليل … وضل سهرانا طوال الليل تبادله افكاره الالم والارهاق وفجأة تفاجأ بزوجته هلا وهي تخرج من بيتها لتجمع الحطب  بالقرب من بيتها على شكل كومة مرتفعه لتشعل النار حتى أصبحت عاليه تشاهد من بعد مئات الامتار … ضل مرتضى يراقب وقلبه يدق مترقبا ودون ان يخفض عينيه …وهو بهذا الحال واذا برجل يقترب ويدب الى بيته … فانطلق مرتضى مسرعا وبدون حتى ان يمنح نفسه برهه للتفكير بالذي رآه …يركض ويركض ولايدري اي مصير يتربص به او بزوجته هلا… حتى دخل البيت وهنا الكارثه عندما شاهد زوجته وحبيبته هلا في احضان عشيقها … فساد الجو صمت عميق وهو يتفرس بنظره حال زوجته وجاءت الدقيقة الفاصله حين وجه بندقيته نحويهما  ليرديهم قتلى وبرصاصة واحده خرجت من ظهر عشيقها لتستقر في صدرها. انتشر الخبر في القرية ووصل للشيخ حامد ما حصل لابنته فانطلق لبيت مرتضى ليتاكد من الخبر الذي نزل عليه كصاعقة تشطره شطرين فقال الشيخ بصوت يقعقع من الغضب بعد رأى ابنته على هذه الحال وهي ميتة بين احضان رجل غريب.. الله يخزيك ياهلا… ضل مرتضى يهيم على وجهه من مكان الى مكان مع الصمت تارة والبكاء والعويل تارة اخرى … تحطمت نفسيته تماما من هول الصدمة فتراه اشعث الشعر كثيف اللحيه وملابسه ممزقه وقذره ويبدو للرائي كما لو انه لم يستحم بحياته قط… وذات يوم وهو بهذا الحال بصريخه وعويله …اقترب منه شخص سمعه من بعيد محاولا ان يعرف من هذا الذي يصرخ ويبكي فاقترب منه اكثر واكثر فقال له وبوضوح … من انت ولماذا انت على هذا الحال ؟ رفع مرتضى راسه من بين كتفيه قائلا هو ايضاً… من انت؟ فهيمن صمت قصير في المكان والنظرات تتبادل حتى صرخ مرتضى … انت فاضل … فرد عليه نعم من انت… مرتضى… ماذا حصل ولماذا انت بهذا الحال ؟ فقال له مرتضى اجلس لاحدثك بامري ياصديقي …فبدا يسرد لصاحبه قصته وهو يبكي متاثرا فقال له انا تزوجت هلا بعد ان طلقتها انت …لكنها خانتني مع عشيقها فقتلتها وقتلت عشيقها …ثم غمغم بصوت لايكاد يسمع… انا زوج الخائنه رغم اني كنت بها رحيما وكنت احبها كثيرا… فقاطعه فاضل متنهدا بارتياح مبتسما… انا ايضا هلا خانتني  …وعرفت ايضا مع من تخونني ومن هو عشيقها لكني لم اقتلها او اقتل عشيقها بل طلقتها وتركت امرهما لقاضي السماوات والارض… بدلا من ان افضح نفسي واهينها بين الناس كما حصل لك… ثم اكمل فاضل فقال له متنهدا بالم … الاتريد ان تعرف مع من كانت هلا تخونني ؟ انت ياصديقي …انت من كنت تخونني مع هلا … انتهت.

د. عبد العظيم احمد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق