مشاوير ...45....
_____________
إنظم نفر آخر لمجلس أبي. حين .دخلت عليهم .كان أبي قد بدأ بالكلام ..صب الشاي يامسعود. ثم قال وهو يدوس على عقب السيجار في المنفضة. .صديقي بن صالح هذا أول شخص دخل بي إلى المدينة .وقتها كنت قد أنهيت دراستي في الكوستابينيتو. أصبح بمقدوري أن اترجم بضع كلمات من الإيطالية والإنجليزية إلى العربية .بت عنده ذات ليلة وفي الصباح ركبنا سيارة من النوع الذي يقودها الآن. كانت وجهتنا البورط. وعندما وصلنا المرسى هالني منظر البواخر العملاقة التى تترنح على الشاطئ. أو تلك التى تشق العباب وتطلق صافراتها مشيرة لوصولها أخيرا. وكانت السفن الرابضة تبادلها التحية بصافرات مزعجة لها وقع حزين عندما تخبو. .
أتممنا كل شيء بسرعة .ومازال الوقت مبكرا .كانت الشمس قد ارتفعت مقدار أشبر فوق المنارة .أقترح بن صالح أن يريني المدينة من الداخل ..مررنا على السرايا الحمراء .أين كان أحمد باشا يدير مملكة فراغية ومن بعيد تبدو صواري السفية الأمريكية فيلادلفيا التى اسرها البحارة الليبيون ذات حرب بينهما ..وفي الجوار يقف سبتيموس سافيروس على سدة من الرخام وهو يمد يده لروما يحثها على الرحيل. .فيما اكتظت الناس في جوف الساحة الخضراء التى بدت كأنها تعد نفسها لعرس مهيب ..مررنا على الرشيد والأقواس التركية والإيطالية والمالطية التى مازالت شاهدا على توغل فرسان القديس يوحنا ..وعدنا مرت أخرى من أجل أن نأكل الحرايمي في حارة اليهود .في النهاية طرابلس مدينة بيضاء استباحة نفسها للبحر حتى اقفلت المسارح ودور الثقافة وغنت عليها نوارس المساء وهي تحاكيها من بعيد ..ثم عدنا إلى باب بن غشير أين مكان سكنانا في اللنشا. .
اعتدل أحدهم يقيم على تخوم الخضراء ..أعرفه جيدا رجل يحب النساء ..متزوج من ثلاثة وقيل أنه يبحث عن الرابعة ..
سعل مرتين .ثم قال ...المدينة رغم جمالها الذي تتحدثون عنه إلا أن المصائب كلها تتراكم هناك .بات من صعب علينا العيش فيها.. لأنه ثمة خطوط حمراء لا نستطيع تجاوزها ..كان الرجل يرمي لأشياء تخص سفور النساء وهو يتمنى ذلك إلا أنه يتخفى وراء ما أسماه الخطوط الحمراء ..مما دفع بالجميع أن يضحك من كلامه بصوت عالي ..
كنت أتمنى أن أصبح كبيرا مثل هؤلاء الكبار .ولكن ما فائدة أن تصبح كبيرا وتختصر الحياة في نقطة واحدة التى باتت عرضا هذه الأيام. وقد تشابكت كل الخطوط ..حتى جميلة التى لا زالت في مقتبل العمر لم ترى شيء من لذة الحياة ..فهي لا تعرف إلا البحر والحدائق المهجنة والمدسوسة عنوة بين الشوارع وقد استباحها المشردون حتى فقدت جمالها ..هذا ما قالته جميلة ..وحين تذكرت كلامها شعرت برغبة لرؤيتها الآن. .فوجدتني انسحب من مجلس الرجال دون أن يشعر بي أحد. .
_____________________
على غالب الترهوني
بقلمي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق