تفكير بصوت مرتفع
في الغرب يمكنك أن تجد بجانبك، وأنت واقف أمام الضوء الأحمر، مسؤولا كبيرا بسيارته أو على دراجته ينتظر الضوء الأخضر مثلك. كما يمكنك أن تجده في طابور أمامك أو خلفك أمام السينما أو المسرح أو إدارة، ويعتبر هذا شيء عادي عندهم. لكن هذا لن تجد في الشرق، وإن وجدته فهو شيء استثنائي وربما يكون غريبا شيئا ما.. لماذا هذه الاستثنائية بيننا وبينهم؟
الانسان مخلوق واحد له نفس المكونات الجسدية ولكنه هو من يطور مقوماته النفسية فتختلف تصرفاته حسب هذه الترسبات النفسية. فنجد من يرى نفسه كباقي الناس ونجد من يراها فوق كل الناس. وهذا تجده يمشي منتصب القامة، معتزا بنفسه، مختالا بملبسه، ينظر لمن حوله من خلف نظاراته الشمسية وكأنه السيد والكل عبيد..
الإنسان، سواء كان من الغرب أو من الشرق، قد وهبه الله نفس الدماغ الذي له نفس الوزن و به نفس العدد من الخلايا التي تعالج البيانات التي يتلقاها هذا الانسان من الظروف التي هو فيها ليحللها ويتصرف باستنتاجاته حسب ما يتطلبه السياق الذي يعيش فيه.
الله كرم الانسان على سائر مخلوقاته وجعله متفوقا عليها في كل شيء، وبالتالي فعليه أن يتصرف حسب إنسانيته التي أراد الله منها مراعاة ظروف الآخر و تقديره واحترامه. وهذا ما يفعله الإنسان الغربي. فلماذا الانسان العربي يتصرف خلاف ذلك؟ لماذا الانسان العربي دائما يسيء الظن بالآخر؟ - والظن لا يغني من الحق شيئا – لماذا الانسان العربي يكن الحقد لغيره؟ لماذا العربي يعتبر نفسه متقدما عارفا لكل شيء والآخر جاهلا لا يعرف أي شيء؟
يجب أن نعلم أن التقدم هو أن يجتسر الانسان حيوانيته. هو أن ينظر بعين العطف الى من هو اضعف منه ليقدم له ما يحتاجه من مساعدة. ليس التقدم هو احتقار الآخر أو استرقاقه و ظلمه. ليس التقدم أيضا هو الزيغ عن الطريق المستقيم و التغاضي عن القانون وربما حتى عن وجود الله. هذه كلها أخطاء مدان من يقترفها إن لم ينضبط بمبادئ ما خلقه الله له..
الكل يعرف، ولا يختلف اثنان على هذا، أن الانسان خلق ضعيفا و قد تتغلب عليه نزواته فتبعده عن حدود انسانيته. الضعف ملزم لنا و به وجدنا في هذا الكون. ولكن لا يجب أن نتمادى في غينا تحت ذريعة أننا مسيرين لا مخيرين. يجب أن لا ينسينا تقدمنا خلقنا. والمخلوق يجب عليه أن نفتكر دائما أنه سيموت وأنه سيحاسب بميزان: من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره.
الإنسان وخصوصا المسلم، ليس له أن ينسى أن الذي خلقه، قد خلقه ضعيفا وبطاعته واتباع أوامره يقويه. من أقر بضعفه انتصر ومن تقوى بنفسه انهزم. لضعفنا و لقصورنا سخر الله لنا جميع المخلوقات الأخرى. فالكون كله مسخر للإنسان، ولولا هذا التسخير مع هذا الخضوع الذي بثه الله في مخلوقاته الأخرى لخدمة هذا الانسان لما استطاع العيش بينها ومعها. فكبيرة الحجم منها يفوقه قوة وشراسة وصغيره منها يفوقه حيلة ودهاء، وحتى التي لا يرى إلا بالعين المجردة قد يكون على هذا الانسان أشد عدوانا و فتكا. فعلى الانسان أن لا يغتر بمنزلته وينسى كل هذا ويتشبث فقط بجبلته كهلوع، يمنع الخير عن غيره ويحفز صفته كجزوع، يخاف على ممتلكاته وحريته ولكن يتطاول بلا كياسة على حرية الغير وممتلكاته..
قد يبهرنا الغربي أحيانا ببعض معاملاته والتي جلها يوجد في عرفنا فنحن من تخلينا عنها تحت ذريعة أنها تثقل كاهلنا وتمنعنا من التقدم.
السؤال الذي يطرح نفسه ويعلو على كل ما يشغل العقول اليوم هو:
هل انسان اليوم، غربيا كان أم شرقيا، وبما وصل اليه من تقدم تكنلوجي، قد تقدم فعلا أكثر من سابقيه؟ لا أظن.. فما نراه اليوم هو أن أليات الهدم والدمار هي أكثر من أليات البناء والتكوين. وما نراه اليوم هو أن جل ما وصل اليه انسان العصر من اختراعات ونظريات يستعمل جلها في الحرب وليس في السلم. ما نراه اليوم هو تقدم المجاعة والبطالة أكثر منه من الشبع والتوظيف. ما نراه اليوم هو أن الانسان تقدم كثيرا في الزهو والكبرياء والغرور أكثر منه في التواصل و الحب والانسانية. لو تمعنا كثيرا فيما يستثمر من أموال في تخريب النفوس والبنايات وتلوث المناخ لوجدنا أنفسنا وكأننا لا عقل لنا يوجهنا للتخلي عن هذا و يحثنا لاتخاذ نقيضه قاعدة تمكننا من العيش في وئام وسكينة وسلام..
كثير من الناس يظنون أن الصواب ليحمون أنفسهم من شرور الآخرين هو قهرهم. ليس هذا هو الحل بل هذا هو منبع كل المشاكل التي تنخر مجتمعاتنا اليوم. كل منا يحذر الآخر و كل منا على أهبة لمقاومة الآخر. هذا الحل الغير الناجع والذي تفشى بين الناس وتشبثوا به حتى تنامى و تضخم هو الذي يجثم اليوم بكلكله الثقيل على صدور الجميع. وكما يقول المثل المغربي: ( اللي فراس أجمل فراس الجمال). انطلاقا من هذه الفرضية وبهذا التفكير يقع الاصطدام الذي يحطم الكل. فالذي تعامله بهذا هو أيضا سيعاملك بنفس الأسلوب ليحمي نفسه من شرك وهنا يخسر الجميع المعركة.
الانسان الذي يتشبث بمبادئ كهذه خوفا على مصالحه ويظن نفسه ذكيا، فهذا لا ذكاء عنده. لأن الذكاء يكون بالعقل، والعقل ليس كما يظن الكثير هو ما نحمله كلنا فوق رؤوسنا من تلك الكتلة المخية التي تزن ما يقارب الكيلو والنصف وتسمى الدماغ، فلو كان العقل هو هذا لكان الفيل الذي يزن دماغه ما يقارب الخمس عشرة كيلو، هو أذكى المخلوقات.. العقل يربط صاحبه عن الخطأ و يقوده دائما نحو الصواب. العاقل من يجمع المعلومات التي يمنحها له السياق التي هو فيه ويحللها ويعمل بجيدها ويفعلها للخير لنفسه وللآخر.. فالعقل باعتباره ذاتا وجوهرا، فهو لا وجود له ولكنه موجود باعتباره وظيفة وفاعلية يقوم بها صاحبه.. والعاقل هو من يعلم علم اليقين أن الانسان بالإنسان، والانسان بالله، ويفهم أنه مخلوق وأن المخلوق لا يمكنه أن يأتي بشيء أحسن مما أتى به الخالق الذي حرم الظلم على نفسه وجعل المحبة والسلم والتآزر هم المبدأ الذي يجب أن يفعلهم الانسان بينه وبين من يتعامل معهم. العاقل هو الموقر لغيره والمحب للجميع...
خيركم من يرجى خيره ويؤمن شره..
أحمد علي صدقي/المغرب
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق