صراعان وعقدتان في قصة قصيرة جدا بطلها يروي بلا رأس: قراءة تحليلية بقلمي أسامة الحواتمة/الأردن على نص "هلوسة" للقاص أ. نزار الحاج علي/سوريا.
النص:
هلوسة
تجدُ نفسك فجأةً وسط معركة، و لم تكن تعرف في أي اتجاه تقاتل؛ تقررُ الاختباء خلف جدار، ثم تجلس لتراقب.
تمدُّ رأسك قليلاً، فترى قتلى يسقطون بالقرب منك، تترددُ قليلاً قبل أن تخرج لتغرس رمحك في قلبِ عدوٍّ لا تراه؛ يقفز أحدهم من داخلك...يغيبُ قليلاً ثمّ يعود إليك حاملاً تاجاً مرصعاً؛ تذهبُ إليه زاحفاً على ركبتيك، تتحسّس الأرض وأنت تسأل: أين...رأسي؟
نزار الحاج علي
الراوي يُخبرُ ضميرَ المخاطب القريب/الحاضر:
(تجدُ نفسك فَجأةً وسط معركة، ولم تكن تعرفُ في أي اتجاه تقاتل...
الخطاب هنا إسقاطي موجه لشخص مخاطب من قِبَل (الراوي)
لذلك أسقط الراوي خطابَهُ على المخاطَب (أنت) ليروي الحدث الذي عاشَهُ الراوي وليس الذي عاشَهُ المُخَاطَب.
ما هو الحدث من بادئة النص؟
الحدث هو معركة وكان الراوي في خضمِّها/وسطها وليس في بدايتها أي أن الراوي دخل في وسط معركة بلا مقدمات مباشرة، لذلك فالمخاطَب (أنت) لم يدخل المعركة ولم يعلم بها أصلا إلا من الراوي، فالراوي دخل وسط معركة ولم يعلم في أي اتجاه يقاتل أي أنه ليس بمقدوره أن يقاتل أي طرف من أطراف الصراع، فكلا الطرفين لا يعتبران عدوًّا لهُ، وكأنه يقول:
-نعم سأقاتل لكن، من أقتل؟ أأقتل هذا الذي هو أخي أم أقتل هذا الذي هو أبي؟ أم أقتل هذا الذي هو أخي في الدين أم هذا الذي هو أخي في الدين؟ هما خصمان بغى بعضهما على بعض وهما إخوتي فيا تُرى من أقاتل؟ وهل أنا أصلحُ لأكون الحَكَم والقاضي بينهما مثل النبي داوود؟ أم لدي قوة النبي موسى فأوكز الباغي بينهما دون نية قتل ليقع صريعا...
وبعد ذروة الصراع للعقدة الأولى التي استعجلها الكاتب منذ باكورة النص بدأ الراوي من خلال ضمير المخاطَب الذي أسقط عليه الحدث، بدأ يهبط من ذروة الصراع نحو الحل الأول وهو (القرار) بقرينة:
(...تُقَرِّرُ الاختباءَ خلف جدار، ثم تجلسُ لتراقب.)
*أخيرا اتخذ الراوي القرار من ضمير المُخَاطَب (أنت) بأن يعتزل هذه الحرب فهو ليس نبيا مؤيدا بالخوارق فتعصمه وتعصم بني دمه من سيل الدم، لذلك قرر الاختباء وراء الجدار/ ويريد للمُخاطَب أن يعيش الحدث ذاته تَخَيُّلاً، من خلال خطابه له: - تُقَرِّرُ الاختباء خلف جدار، ثم تجلس لتراقب.
ثم يُكمل الراوي إسقاطه للحدث على خيال المُخَاطَب لِيُعلِنَ عن بداية صراع ثانٍ متصل بالصراع الأول بلسان حال المُخَاطَب ليبدأ بالمراقبة -وليته لم يراقب واكتفى بعزلته تلك الحرب الحمقاء- ولكنه الفضول المتملك للنفس البشرية فلا يستطيع هذا الإنسان أن يكون في الضفة الأخرى من هذا العالم فهو شريك بكل ما يحدث في عالم البشرية ولو حتى بمجرد وجوده وبقائه على قيد الحياة فيه- فلابد له أن يراقب ويستطلع رغم جدار العزلة وكذلك فَعَلَ الراوي من وراء ضمير المُخَاطَب:
(تمدُّ رأسك قليلاً، فترى قتلى يسقطون بالقرب منك، تترددُ قليلاً قبل أن تخرج لتغرس رمحك في قلبِ عدوٍّ لا تراه...) وهكذا استمر الراوي بالتصاعد في الصراع الثاني فمدَّ رأسه قليلاً -إشارة للحذر والتَّرقُّب- ولكن لا حذر من قدر، فها هو بات شريكَ الحرب وغدا طرفاً في النزاع -فالحرب تقبل أي شريك يأتيها بكل حفاوة وبلا شروط وبلا أسباب- لكن الراوي شريك مكسور الجناح، فبعد أن رأى القتلى يسقطون بالقرب منه -وهذه قرينة محتملة لكون القتلى هم أقارب له- فقد تردد في القرار الثاني المُضمَر بقرينة: (تتردد) ليصل الراوي نحو ذروة العقدة الثانية من الصراع الثاني ليخرج وليغرس رمحه في قلب عدوٍّ لا يراه -عدو لا يراه: إشارة للدماء التي اختلطت بالعينين الفاغرتين فلم يعد يبصر كما لو كان من قبل، وهذا قد يفسر لجوء الكاتب لتبديل ضمير المتكلم بضمير المُخَاطَب (أنت) في السرد، أو إشارة إلى عدو: أي إلى خصم من المختصمَين والراوي لا يراه عدوًّا لهُ، لكن -عندما تسيل دماء القربى تُلَوِّحُ ثورة الدم طبولها فتعمى الأبصار ويكون الأخذ بالثأر حلالا في شريعة النفس البشرية مهما كان محرما في القانون والدين- وهكذا غرس رمحه في قلب عدوٍّ لا يراه.
*وإلى هنا يُلاحظ المتلقي، أن الخطاب ما زال محصورا بين شخصية الراوي وشخصية المُخاطب "أنت".
ثم يبدأ الراوي بالنزول من العقدة الثانية إلى القفلة الصادمة:
(...يقفز أحدهم من داخلك...يغيبُ قليلاً ثمّ يعود إليك حاملاً تاجاً مرصعاً؛ تذهبُ إليه زاحفاً على ركبتيك، تتحسّسُ الأرض وأنت تسأل: أين...رأسي؟)
في هذه القفلة سيلاحظ المتلقي أن ضمير المُخاطَب (أنت) اختلف عن كونه فاعلا للفعل ودخل الضمير المخاطب الغائب (هو و هُم) كما في الفعل (يفقز أحدهم من داخلك) ودخل أيضا الضمير (هو) كما في الفعلين (يغيب قليلا ثم يعود إليك حاملاً تاجاً مرصعاً...)
فما حصل له أمر رهيب ولم يكن يتوقعه وها هو الراوي يفاجئنا بلسان حال مختلف وهو لسان حال المُخاطَب الغائب (هو) لِيُعلِنَ خاتمته بصورة ماورائية (يقفز "أحدهُم" من داخلكَ) يقصد (بأحدهم) أي قلبه بسبب التشظي الذي حلَّ به من مفارقة الحياة فهو تشظى بين روحه ونفسه وقلبه بعدما كانوا مجتمعين في داخل جسمه البشري، قلبُهُ قفز من داخله وهو مازال في بداية (السكرة) فيغيبُ قلبه أي يتوقف، ثم يعودُ قلبه إليه أي يعود للنبض/ للقفز حاملاً (تاجاً مرصعاً): إشارة لاستشهاد الراوي فهو بريء من صراع هذه الحرب الظالمة كلها وهي التي جرَّته إليها مرغما... بينما الجسد ترفس أعضاؤه على الأرض رفس الديك المذبوح.
ثم عودة الضمير (أنت) إلى الحدث
(فتزحفُ على ركبتيك، تتحسّسُ الأرض...)
ليختم الكاتب بالشق المفقود منذ بداية القصة
وهو السؤال المهم جدا ليكتمل سرد النص كقصة قصيرة جدا:
وأنت تسأل: أين... رأسي؟
لقد كان متن النص كله جوابا لهذا السؤال الأخير منه (وأنت تسأل: أين... رأسي؟)
وهذا هو سبب إشكالية تجنيس النص إلى القصة، لقد كان تأخير هذا السؤال المهم مثل الستار المسدول على عين المتلقي، النص جميل جدا مكتمل السرد لاحتوائه على عقدتين أجَّجتا الصراع في الحدث، وتأخير السؤال المهم كان مدهشا للمتمعن فيه، لكن كم كنت أتمنى لو استخدم الكاتب علامة الترقيم، الشَّرطة(-) الدالة على الحوارية في النص لتسهيل قراءته على المتلقي كالتالي:
هلوسة
-تجدُ نفسك فجأةً وسط معركة، و لم تكن تعرف في أي اتجاه تقاتل؛ تقررُ الاختباء خلف جدار، ثم تجلس لتراقب.
تمدُّ رأسك قليلاً، فترى قتلى يسقطون بالقرب منك، تترددُ قليلاً قبل أن تخرج لتغرس رمحك في قلبِ عدوٍّ لا تراه؛ يقفز أحدهم من داخلك...يغيبُ قليلاً ثمّ يعود إليك حاملاً تاجاً مرصعاً؛ تذهبُ إليه زاحفاً على ركبتيك، تتحسّس الأرض
-وأنت تسأل: أين...رأسي؟
نزار الحاج علي
فالنص كان حوارا بين شخصية الضمير المخاطَب (أنت) وهي شخصية مقربة من البطل ربما كان الأب أو الأخ أو صديقا عزيزا وبين شخصية الراوي وهو الشهيد/المقتول أو الضحية.
والأمر المهم: كيف يكون الراوي هو المحاور وهو أيضا البطل المقتول... وقد فارق الحياة بقطع رأسه؟
هنا نعود للعنوان (هلوسة) فالشخصية المُخاطَبة اعترتها الهلوسة عندما رأت الراوي مقطوع الرأس وباتت تستمع لروحه بمشهد هلوسي... فسأله: (أين... رأسك...؟) وروح الراوي حضرت لتقص:
-تجدُ نفسك فجأةً وسط معركة، و لم تكن تعرف في أي اتجاه تقاتل؛ تقررُ الاختباء خلف جدار، ثم تجلس لتراقب.
تمدُّ رأسك قليلاً، فترى قتلى يسقطون بالقرب منك، تترددُ قليلاً قبل أن تخرج لتغرس رمحك في قلبِ عدوٍّ لا تراه؛ يقفز أحدهم من داخلك...يغيبُ قليلاً ثمّ يعود إليك حاملاً تاجاً مرصعاً؛ تذهبُ إليه زاحفاً على ركبتيك، تتحسّس الأرض
-وأنت تسأل: أين...رأسي؟
فعلا هلوسة قصصية جميلة جدا من القاص البارع أ. نزار الحاج علي/سوريا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق