قانون الغاب
مر أسد قرب مستنقع بصحبة أشباله ولبؤته وكانت الروائح جد كريهة والمكان مقزز للغاية لا يبعث على الراحة أو المكوث فيه ولو للحظة لما خر الحيوانات جميعهم إجلالا وتقديرا لملكهم الموقر وعائلته الكريمة إلا ذئب لم يسجد ولم يقم بأية حركة مثل البقية ، مما أثار استغراب "السادة" واحتقارهم لهذا "السلوك المشين" كما عبرت عنة اللبؤة وجعلها تهمس في أذن زوجها :
- لماذا لم يحيينا هذا المتمرد؟
-( محاولا إيجاد عذر له) لعله لم ينتبه إلينا
- (رافعة حاجبيها استغرابا من هذا الرد) ربما ، (تستدرك بعد توقف للحظات) حاول إذن التأكد مما أقدم عليه
- (متأففا ومتقيا شرها وثرثرتها) حاضر ، سترين أنه لم يرنا ، فلا أحد هنا يجرؤ على التمرد على الأسد أو التطاول عليه وعلى آله مهما كان وإن كان من سلالة الأسود... (وسكت لحظة ليفكر فيما سيفعله ليتأكد من ردة فعل الذئب ، قبل أن يستجمع قواه ويصرخ في وجه الذئب) تعال إلى هنا أيها الذئب حالا ( لكن الذئب لم يعره اهتماما ولم يلتفت إليه مما أغضب الأسد ) أمرتك أن تحضر أمامي في الحال اتقاء شري وغضبي أيها الأحمق
- ..........
- (مشيرا له بحدة) لآخر مرة آمرك بالحضور طواعية
- ..........
فاغتاظ الأسد من هذا الاحتقار واللامبالاة وانعدام الاحترام ، إضافة إلى كلام اللبؤة الذي ضربه في الصميم بما أنه كان يمس مركزه وهيبته ومكانته وقوته وشجاعته ،واستغراب جميع الحضور الذين كانوا يرتعدون من بطش الأسد المنتظر ، ومنهم من نصح الذئب بالطاعة والانصياع للأوامر بدل هذا التمرد والعصيان الذي ينفعه ولن يجلب له غير الموت والفناء....
فلم يتحرك الذئب ولم يبدر منه أي كلام أو إشارة أو حركة ، بما أنه كان يسترجع ذكريات مرة حصلت له ذات يوم مع هذا الأسد حين حصد ما زرعه الذئب دون بذل أي مجهود أو خسارة كمية من العرق جراء الجري والتعب ، حين لمح جيشا من الغنم يسير بجانب الوادي في اتجاه مرعى كثيف الأعشاب في آخر الغابة وكان الوقت يشارف على المغرب ولم يكن يرافقه حرس من الحراس مما جعله فريسة سهلة لكل صياد ، فاغتنم الفرصة وانقض على أحد أفراده وعضه من رقبته في لمح البصر حتى أرداه قتيلا بين أنيابه ، فجرى به بعيدا لالتهامه وإشباع عصافير بطنه التي كانت تزقزق جوعا وهو يمني النفس بوليمة كبرى لم يتمتع بها منذ مدة ، فتوارى عن الأنظار واختفى وراء شجرة كثيفة الأغصان والفروع حتى لم يعد عرضة لعين أي مار وفرك ساقيه وتنهد تنهيدة نصر ونجاح ثم قال "بسم الله الرحمان الرحيم" واقترب من فريسته لبدء الالتهام لما لمح خيالا يختطف منه غذاءه بعنف ، فالتفت ليجده الأسد العظيم الذي جعل من الفريسة هيكلا عظميا بسرعة والذئب لا يزال مصدوما ولا يقدر على الكلام أو الحراك أو حتى الهرب اتقاء شره...
وها هو يجده مرة أخرى في وجهه وهو يصيح :
- ألا تسمع ؟
- (مصفر الوجه وخائفا) المعذرة لم أنتبه
- أتستهزئ بي أيها الوغد؟
- (وقد تأكد أنه هالك لا محالة) ومن يقدر على ذلك في حضور ملكنا المفدى؟ أنت تاج رؤوسنا وولي أمرنا الذي لا يرفض له طلب
- (مقاطعا بشدة) كف عن الهراء واسجد تذللا لنا وأنت تكرر طلب المعذرة والعفو بأعلى صوتك
- (وهو يعلم مكر الأسد) بكل تأكيد سيدي ( يتظاهر بالسجود وهو يتحين الفرصة للهرب ، ومنها أطلق ساقيه للهواء وفر بسرعة البرق وهو يكرر بصوت عال) اللعنة عليك وعلى بطشك وظلمك ، اللعنة عليك وعلى من والاك ( فيما كانت الحيوانات تتظاهر برفضها لما قام به الذئب وتحث الأسد على اللحاق به وقتله جزاء جرمه مكررة ولاءها وطاعتها العمياء له ولعائلته وكل الأسود الأمراء الآخرين ، وهي تستحسن هذا الفعل وتتمنى القيام بمثله يوما ما هربا من دكتاتورية هذا الحاكم وجوره وعائلته) ، سأهجر هذه المملكة الفقيرة وارتمي في أحضان مملكة أخرى يكون فيها المقام محمودا والعيش رغدا....
وما هي إلا لحظات حتى كان الأسد بجانبه مخلفا وراءه الغبار الكثيف ،إلى أن كان الذئب بين أنيابه ودمه يتقاطر تقاطر مياه الوديان وقت الفيضانات قبل أن يصير لقمة فم الأسد وعشاء لذيذا تقاسمه مع عائلته ليكون عبرة لمن يتجرأ على تحدي الأسد ولم بتكافؤ معه في كل شيء ليكون ندا له ولكل مقوماته ، فلا يكفي الذكاء والدهاء والسرعة والفطنة ما لم تقترن بالشجاعة والإقدام والقوة .....، فقانون الغاب يقضي بالبقاء للأفضل والأقوى لا الأذكى........
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق