الجمعة، 24 ديسمبر 2021

مخاطر العنف ضد الأطفال بقلم/ أنور ساطع أصفري

 مخاطر العنف ضد  الأطفال .

واقع التشريعات والقوانين العربية . 

الحلول . 

بقلم الكاتب الإعلامي : 

أنور ساطع أصفري . 

*****************************************************************************

حينما نتحدث عن العنف ضد الأطفال نؤكّد أن هناك أضرار جسدية وأضرار أُخرى نفسية وهي الأهم . ولا ننكر بأن هناك ممارسات خاطئة من قبل بعض الآباء على أطفالهم . 

ولقد أثبتت كل  الدراسات أنه يترتب على العنف مع الأطفال أضرار نفسية لا يستهان بها إن كانت في المنظور البعيد أو القريب .

علماً أن عادة العنف مع الأطفال يُعاقب عليها القانون في العديد من الدول بهدف حماية حقوق الطفل من الاعتداء عليه . 

ومع الأسف هناك ثوابت من خلال الفيديوهات ومراكز التحقيق تؤكد أن بعض حالات العنف الشديد مع الأطفال أدّت إلى الموت من خلال حالات عصبية خرجت عن السيطرة وعدم قدرة التحكم في اسلوب ضرب الأطفال الذي هو مرفوض أصلاً . 

فضرب الأطفال يؤدي بشكلٍ مباشر إلى سوء العلاقة  بين الطفل والأهل اللذين يمارسون الضرب ، علماً ومن ناحيةٍ أخرى أقول أن من يُضرب من الأطفال سيستخدم العنف و سيمارس هذه العادة أيضاً مع آخرين من باب الانتقام ، للتعبير عن غضبه وعن استياءه مما مُورس عليه . وبالتالي ستتكوّن عند الطفل عقد نفسية وعاطفية متعددة ، إضافة إلى نمو ظاهرة التعمّد في استخدام العنف مع السلطات الأعلى في حياته ، وبالتالي سيعيش حالةً من الأرق والكآبة وفقدان السلوك الأخلاقي . 

فمن المفروض أن تكون هناك سياسات أخرى لتقويم سلوك الطفل ، عوضاً عن العقاب البدني ، فهناك مثلاً سياسة المنع وسياسة المكافأة ، ومن خلالهما نستطيع أن نسيطر على سلوك الطفل كمثالٍ ليس إلاّ . 

علماً أن الحوار الذي يُقام بين الطفل وأهله يعمل على تهذيب الطفل ، ويعمل على تطوره ذهنياً ونفسياً بطريقةٍ صحيحة وصحيّة ، وبالتالي ينعكس هذا الواقع إيجاباً على الآباء والأبناء . 

الأضرار التي تتسبب من نتيجة العنف ضد الأطفال متشعبة وكثيرة ، فهناك ضرر بدني بالأساس ، وسلبيات نفسية يتأثر بها الطفل وتتطور عنده ، كأن يكره أهله ، أو يكره التعليم ، وسيكون فاشلاً في حياته ، وقد تترتب لديه سياسة العدائية لللآخرين أيّاً كانوا ، إضافةً إلى حالات القلق والاضطراب النفسي الذي سيتمكّن من دواخله وأعماقه ، واحتمالات سلوكه طريق الانحراف ، وتبنّي سلوكيات متهوّرة غير أخلاقية ، كتعاطي المخدرات ولعب القمار والاغتصاب والسرقة وما إلى ذلك ، وبالتالي سيكون سليط اللسان ، وشخصيته ستكون غير متّزنة عاطفياً ونفسياً ، وقد يُعاني من نوبات اكتئآب ونوبات بكاء ونوبات انفعالية شديدة . 

وبكل تأكيد سيصبح الطفل عنيداً متهوراً متسرعاً ومؤذياً ، وغير أخلاقي ومُحب لافتعال المشاكل . 

وقد يشعر الطفل بالغربة أيضاً ، وبالتالي ينعدم عنده الشعور بالأمان ، وسيكون معرّضاَ وعلى الدوام للإصابة بالاضطرابات النفسية والقلق والرعب وانفصام الشخصية والتوتر . 

لذلك نقول أنه لا بدّ من نجاح الحوار بين الأهل والطفل ، فالطفل بحاجةٍ إلى استشارة أهله وبالتالي على الأهل إعتماد الحوار المفتوح بهذف بناء التفاهم بين الطرفين بعيداً عن سياسة فرض الآ{اء أو رفض احتياجاته .

كما يجب على الأهل أن يعتمدوا سياسة الاصغاء للطفل ، حيث أن الطفل يثير إهتمامه إصغاء الأهل له ، مع إظهار الاهتمام والتواصل من النواحي البصرية وتعابير الوجه ولغة الجسد ونبرة الصوت ، حيث أن الاصغاء يُشجّع الطفل أو المراهق على الحوار والمصارحة مع الأهل بأدق تفاصيل أموره . 

وبالتالي على الأهل الابتعاد عن الانتقاص بآراء الطفل وشخصيته وسلوكه مهما كان خاطئاً ، والابتعاد عن الالفاظ الجارحة أو الانتقاد اللاذع ، وذلك بهدف كسب ثقة الطفل أو المراهق دائماً . 

وعلينا أن نعترف بأن العلاقة بين الآباء وأبنائهم تُعدّ من أهم العلاقات البشرية وأكثرها تأثيراً على شخصية الطفل ، خصوصاً في مرحلة الطفولة ، حيث تتغير هذه العلاقة في مرحلة المراهقة . 

فالعلاقة الجيدة بين الأهل والطفل والحفاظ عليها تعود بالنفع على كلا الطرفين وعلى المجتمع ، فهي تُخفف من ضغوطات الأهل العاطفية والجسدية وتزيد من إحترام الإبن لذاته ، وتُشعره بالسعادة والرضا في حياته ، كما تُقلل من السلوكيات الخاطئة المحتملة للأبناء وتحافظ على سلوكهم وأخلاقهم . 

فالعلاقة الآمنة بين الأهل والأبناء هي أمانٌ للمنزل ، فهي توفّر الأمان اللازم للطفل وإشعاره بالدفء والحنان ، وتُنظّم الدور العاطفي ليلعب دوراً كبيراً في تطور العلاقة الصحيّة بين الطرفين ، والتناغم من خلال التفاهم والتفاعل المتبادل ، فمن خلال التفاهم والحوار نستطيع أن نُوصل الأبناء إلى بر الأمان وبالتالي نستطيع أن نحافظ على اُسرةٍ هادئةٍ ومستقرة وناجحة . 

قلنا بأن ظاهرة العنف ضد الأطفال ليست بظاهرةٍ بسيطة ، حيث له أشكاله وأساليبه أيضاً ، والآثار النفسية والعضوية التي قد يُخلّفها وراءه . فنحن في بلادنا العربية نجد العنف وقمع الآخر في كل مكان ، في الاسرة ، في المدرسة ، في الشارع ، في مؤسسات القطاعين العام والخاص . 

وإذا تفحّصنا الأمور جيداً نرى أن البطالة والفقر وتدهور الوضع الاقتصادي كلها أسباب رئيسية لولادة العنف ضد الأطفال ، فضغوطات الحياة القاسية تجعل الآباء في حالةٍ من العصبية وفقدان السيطرة على الذات ، وينعكس ذلك على الطفل باعتباره الحلقة الأضعف ، مما ينتج عنه حالة من عدم الاستقرار عند الطفل وعدم الأمان والكراهية ونشوء النزعة العدوانية . وقد ينتج عن ذلك أيضاً تفكك اُسري وطلاق ، وتعريض الأطفال إلى المزيد من العذاب وتدمير نفسياتهم غالباً ، وقد ينغمسون في ادمان المخدرات وتعلّم السلوكيات الخاطئة من خلال التشرد الذي يعيشونه . 

فاعتماد بعض الآباء على تربية الأطفال بطريقة خاطئة واستخدام العنف معهم وفرض السلطة والرأي عليهم وتقييد حريتهم كوسيلةٍ للتربية ، هي نهج مرفوض بكليته . 

أيضاً حينما يقوم بعض المدرسين على ضرب الطلاب واهانتهم أمام زملائهم وجرح مشاعرهم وشعورهم كل هذا أيضاً ي}ثّر على النمو السليم للطفل ، ويؤثّر سلباً على نفسيته ، وقد يكون سبباً لهروب الطالب من المدرسة وعدم رغبته بالذهاب اليها ، وبنفس الوقت تتولّد عند الطفلر حالات العنف والكراهية ضد الآخرين . 

إذاً هؤلاء الأطفال اللذين يُمارس عليهم العنف يصابون بالاكتئآب وبالعزلة ، والصمت ، والصراخ والغضب ، وتتولّد لديهم مشاعر الكراهية ، ويظهر عليهم وبشكلٍ ملحوظ القلق والتوتر الدائم ومنهم من يؤدي به الحال إلى الانتحار . ومعظمهم سيلجأ إلى التخريب والسرقة ، وممارسة العنف والكراهية مع الآخرين أياً كانوا ، والتنكّر للمحيط الذي يحيا فيه ، وبالتالي ترتفع أرقام الجرائم والسرقة والقتل والاغتصاب في المجتمع . 

ومع الأسف هناك عنفٌ ضد الأطفال شائع في بعض مؤسسات الحجز والتوقيف ودور الرعاية والحماية ، سواء كان ذلك قبل أو بعد التحقيق أو المحاكمة ، ويشمل العنف والتحرش الجنسي من قبل النزلاء الأكبر سناً ومن قبل العاملين ومن قبل الأطفال الآخرين ، آخذين بعين الاعتبار ظروف التوقيف السيئة مثل الازدحام وعدم توفّر الخدمات الصحية الاساسية . 

وكل مؤتمرات لجنة الطفولة العربية همّها الأساسي أن تنصح ، كأن تقول في بيانها الختامي ( التزامنا الكامل تجاه قضايا الطفل العربي وترسيخ حقوقه وحمايته من كافة أشكال العنف في وقت السلم وأثناء النزاعات وما بعد النزاعات وفي ظروف الاحتلال .) -( ضرورة وضع النظم والقوانين التي تحمي الطفل من تأثير المواد الاعلامية التي تزكي العنف عبر وسائل الاتصال . )

علينا أن نؤكد بأن الضائقة الاقتصادية في المنطقة العربية هي عامل أساسي في العنف ضد الأطفال ، وأن الشرطة ورجال الأمن قد يكافحون العنف والجريمة ولكنهم ليسوا بمؤسسة تربوية ، فمقاومة العنف في مختلف مستوياته لا يبداً أو ينتهي في تطبيق قانون ما ، بل يجب أن تكون هناك مشاريع اجتماعية توعوية تشارك فيها كل الجهات المعنيّة ذات الصلة ، فالاعتداء والعنف على الاطفال هو ليس بظاهرة فقط ، بل هو وباء بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى . 

فالمنطقة العربية تحتاج إلى ثورةٍ أخلاقية تربوية والعودة إلى ثوابتنا الوطنية والانسانية والقومية كي تستقيم الأحوال فيها ، هذا فيما إذا استقامت ، لأن الموروثات الشريرة كثيرة ، فكل الحلول لا تجدي ما لم يتدرب الانسان على تربية نفسه وزرع ثقافة التسامح والعفو ، وتنمية ثقافة قبول الآخر تحت ظل الاسرة وخارجها ، وتنقية النفس من الغضب والعدوانية والكراهية والعصبية والحقد . 

ولا بد من الاهتمام بمراكز الإيواء وتنقيتها ، وعقد دورات وندوات وغيرها في سبيل توعية أفراد المجتمع بمخاطر العنف وبقيمة الفرد الانسان ، وخاصّة الطفل - المرأة - المسنّ . 

وعلى وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والورقية والالكترونية أن تأخذ دورها كاملاً وجادّاً في نشر ثقافة الوقوف ضد العنف بأشكاله ، واستغلال الاعلام الهادف من خلال المشاهد والمسرحيات والقصص والمجلات والصحف في ابراز اهمية اهتمام المجتمع العام بمشكلة العنف ضد الاطفال ، ومحاربة الالعاب الالكترونية العنيفة والافلام البوليسية والحروب التي تشجّع على الاعتداء أو العنف على الآخرين . 

ولا بد من إيجاد حكماء ومؤسسات يهتمون بهذه المشكلة وخلق جماعة ضاغطة على صانعي القرار في تبني القرارات والمواقف لصالح ضحايا العنف . 

نعم توجد تشريعات ضد العنف ، ولكن المشكلة تكمن في عدم وجود آلية رقابة ذات سلطة قانونية لمراقبة حالات العنف في الميدان المجتمعي ، وهناك غياب قانون الجزاء وآلية تقديم الشكاوي ومآلها . 

قلنا أن أزمتنا هي أزمة أخلاق ، وتحتاج إلى ثورة أخلاقية وعلى كل المستويات بدءً من الهرم السياسي ومراكز القرار كي تستقيم الأمور .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق