الأربعاء، 22 ديسمبر 2021

الباب المفتوح بقلم/ مصطفى محمد علاء بركات

 ( الباب المفتوح ) 


من المجموعة القصصية ( الأرض الطيبة )

بقلم / مصطفى علاء بركات


   من أول رنة له على جرس الباب ، انفتح الباب سريعا لتقفز عليه زوجته و تحتضنه بحرارة و تتراجع للمطبخ و على وجهها ابتسامة واسعة جميلة

- عندى لكى مفاجأة

- الترقية الخاصة بك؟ 

- لا وجدت الشقة التى كنا نبحث عنها و حددت موعد مع المالكة غدا

- حبيبى ... الحمد لله و احتضنته مرة أخرى و ظلت هكذا لنصف دقيقة


  وصلا قبل الموعد بنصف ساعة ، قابلتهم المالكة ، امرأة خمرية مشموقة القوام طويلة واسعة العينين ، ما أن وقعت عيناها على " فارس" بجسده الرفيع الطويل و شعره الطويل الذى تركه من سنوات مثل الفنانين التشكيليين

و قطبت حاجبيها بغضب للحظة و نظرت لزوجته "هناء" قصيرة معتدلة الجسم بيضاء عيناها خضراء مستديرة مثل القطط

- رأى حضرتك؟

- فيها كل ما كان يريده (فارس) تقسيم الغرف ، مكان المطبخ ، حتى الدهانات و غرفة ولدنا        " كريم" - الذى رزقنا الله به بعد خمس سنوات 

و  احتضنت ذراع زوجها بذراعيها الاثنين و التصقت به

- حضرتك بالنسبة للعقد و شهر التأمين

- سنتكلم فيما بعد ، مبروك عليكم

أستأذنكم الأن


  تم إنهاء العقد و الإجراءات فى خلال يومين ، و كانت الشقة مفروشة بعناية فلم يحتاجوا لنقل الكثير من الأثاث من شقته الموروثة من أبيه بذلك الحى الشعبى المزدحم ، اعتادت " هناء" بعد أن يتناول الغذاء و ينام ساعتين تجتهد ليخلد طفلها ذو العامين للنوم ، و تعد جلسة جميلة فى شرفتهم الجديدة التى تطل على منظر غاية فى الروعة و يظلوا هكذا لفترة لا يتخلون عن هذا اللقاء مهما كلفهم من عناء ، و كان هناك من لا يفوت أيضا هذه الجلسة كل يوم ، مالكة الشقة "غادة ممدوح" - كان " فارس"  كريم مع البواب و يعطيه نقود على فترات و عندما لامته زوجته قال لها أن أبيه كثيرا ما قال له أن الصدقة تدفع السوء و الأمراض و ذات مرة عرف منه أن والد ( غادة) عضو بارز بجهاز رفيع المستوى متعلق برئاسة الجمهورية - كان يراها فى كل جلسة له مع زوجته و لكنها غالبا تظل هكذا حتى وقت متأخر فقد قلق يوما من نومه و دخل شرفته فوجدها جالسة كما هى و قامت عندما شاهدها


  كانت " هناء " دائماً مشغولة لا تجلس إلا قليلاً تصحو مبكرا تعد الإفطار لزوجها قبل استيقاظه ، و تتأكد من انصرافه فتبدأ فى إنهاء ما تركته من أعمال المنزل عمدا بالأمس لتجلس مع زوجها و يستيقظ طفلها فتهتم به و تشتري ما ينقص المنزل تليفونيا و تبدأ فى إعداد الغذاء و هكذا كانت تعانى من صداع مزمن بشكل شبه يومى و لكن كان زوجها يعود  متأخرا من العمل فلا تذكر له شىء

 وفى يوم عاد مبكرا من عمله و لكنه غادر سريعا لإرتباطه بموعد مع أصدقائه ، طلبت منه أن تذهب

لأمها يومين و هناك حددت موعدا مع طبيب قريب من بيت عائلتها ، عاد فارس من عمله و أخذ الإيجار الشهرى ليسلمه لمالكة المنزل ، طرق الباب عليها فالجرس معطل و لكن لم يتلق رد ، انتظر دقائق و طرق مرة أخرى و لم ينتظر و انصرف فانفتح الباب كانت ترتدى ثوبا منزليا طويلا لكنه ضيق يبرز تفاصيلها شديدة الأنوثة ،  أخفض " فارس " عينيه  

- يمكنك الدخول ، و دخلت و تركت الباب مفتوح 

- نظر للباب المفتوح على مصراعيه و دخل بلا تردد 

تأخرت بعض الشىء ثم دخلت عليه بنفس الثوب و قد فاحت منها رائحة عطر نسائى ناعم و نفاذ للغاية و قدمت له كوب من العصير و جلست فى الكرسى الملتصق به واضعة ساق على ساق مما أبرز بعض التفاصيل من جسدها 

- قالت له بتكبر 

اتفضل العصير

كان سيرفض و لكن وقعت عيناه على عينيها الواسعتين الجامدتين بلا أى عواطف و اختلس نظرة لجسدها الذى يبدو كأنه مشدود و منحوت مثل الصخور ، حتى وجد يده تمتد للعصير 

- أين هناء 

- عند والدتها .... طلبت منى البقاء عندها يومين 

- أرخت ظهرها للخلف و مدت ساقيها للأمام و قالت: 

أتعرف يا فارس  

نعم يا أستاذة غادة 

- زوجتك .... تحبك جدا 

- ربنا يكرمك 

- كنت مثلها 

نظر لها فارس نظرة بلهاء توحى بعدم الفهم تماما 

كانت غادة تتلوى و تتمايل أطرافها بنعومة و دقة ، كمن يمارس رياضة الباليه و لكن ببطء شديد 

- قامت من كرسيها و تمددت على الكنبة المواجهة له و تابعت حديثها 

- كان فارس ينظر لها بتعجب ، كأنه يقول لنفسه هل هذه المرأة هى تلك التى يهابها الجميع و تتعامل بجفاء شديد مع الجميع 

- رن هاتفه أكثر من مرة لكنه لم ينظر له حتى 

- كانت عيناه مثبتتان على غاده ، و صامت تماما و رأسه تتحرك مع كل حركة من أطرافها 

- اقترب منى يا فارس 

لو يعلم الناس جروحى و نقاط ضعفى لكانوا التهموننى 

- حاول فارس أن يربت على يدها و لكن كان يقدم يده ببطء فأمسكتها بيدها الأخرى بقوة و جذبته و هربت دمعة من عينها اليمنى و قالت و هى تنتفض 

: لا أحد يحبنى ، كلهم يكرهوننى 

كان الهاتف يرن للمرة التاسعة خلال نصف ساعة ، فأخرجه بيده اليسرى و ضغط على شاشته بعنف ليغلقه فسقط من يده على الأرض 

و التفت بسرعة لغادة ... 

فارس ، أغثنى يا فارس ابننا  - ابننا سيضيع 

اخترق صوت زوجته أذنيه فقفز من مكانه و أمسك هاتفه، الذى رد على المكالمة بدلا من أن يغلقه عندما ضغط عليه بعنف 

- ماذا حدث ماذا حدث يا هناء

- أين؟ 

- أنا قادم حالا 


 عرف فارس من" هناء" أنها انتظرت ساعة حتى حان كشفها و خرجت من عند الطبيب تحمل طفلها و تمشى مسرعة لتذهب لزوجها لأنها أرادت أن تدبر له مفاجأة ساره ، و مع تحركها السريع و تفكيرها فى كيفية الإعداد لملاقته تعثرت و اصطدم رأس طفلها بالحافة العلوية لباب السيارة و سقط على الأرض بلا حراك و عيناه مفتوحتان


 نزيف داخلى بالمخ

بعدما وصل فارس لزوجته و انطلقا للبحث عن المستشفى ، و طفلهم يتنفس و لا يتحرك مطلقا ، أفاد الطبيب بضرورة عمل رنين ، و كانت النتيجة كما قال 

تابع الطبيب قائلاً : لماذا تأخرتم أكثر من ساعة ، حياة الطفل فى خطر شديد ، تأخركم ضاعف من عدد الأنسجة المصابة لا بديل سوى التدخل الجراحى لمنع النزيف 

انفجرت هناء فى البكاء ، و ضرب فارس الحائط قبضته بقوة شديدة بالحائط جرحت يده ، ظلت هناء بجوار ولدها الراقد بين الحياة والموت ، أما فارس فلم يكن يتواجد فى الغرفة معهم إلا نادراً

و عندما سألوا هناء عن سر غيابه المستمر ، قالت لابد أن قلبه لا يحتمل مشهد طفله هكذا ، كان فارس جالسا على كرسى حديدى يقرأ القرأن ثم يصمت لدقائق و يبكى و يعود ليقرأ ثانية و لا يذهب إلى طفله إلا مرة أو اثنين

مرت عشرة ساعات و هو على هذه الحال و ما أن بدأ يسقط رغما عنه في النعاس جالسا ، جائته الممرضة حضرتك زوج الأستاذة هناء 

حمدا لله على سلامة ابنك ، توقف النزيف و عاد ولدك لطبيعته 

سجد فارس على أرض المستشفى و بكى كثيرا و فى صباح اليوم التالى أخذ زوجته و ولده و عاد بهم لبيته القديم بعد أن ذهب للبواب و أعطاه مبلغ من المال  و ترك له مفتاح الشقة و إيجار الشهر

و أخبره أنه لا يريد ما اشترى من أثاث فليتصرف به كما يشاء ، فهو لن يدخل مرة أخرى أبدا من باب هذه الشقة . 


( تمت)


من كتاب ( الأرض الطيبة )

للكاتب /  مصطفى محمد علاء بركات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق