****** رحيل في قطار الليل ******
لا شيءَ يُرْخِي حَبْلَ ذِكْرَياتِنا البعيدةِ
و يُطْلِقُ مِنْ سِجْنِها الأشْجانْ
مثلُ الرّحيلِ في قِطارِ اللّيْلْ
مِنْ دُونِ أنْ يَكونَ في تَوْديعِنا
أوْ في انْتِظارِنا عِنْدَ الوُصولِ أيّما إنسانْ :
لا بَسْمَةٌ مُرْتَبِكَهْ
تَرْتَسِمُ على الشفاهِ لا يَدٌ تُلَوّحُ مُضْطَرِبَهْ
لا قُبْلَةٌ بِلَهْفَةٍ مُخْتَطَفَهْ
لا ضَمّةٌ تَنُوبُ عَنْ لُغاتِ العالَمِ مُجْتَمِعَهْ
لا دَمْعَةٌ مِنْ حُزنٍ أوْ مِنْ فَرَحٍ
تَذْرِفُها العيْنانْ.
☆ ☆
علَى الرّصيفِ لَمْ أقِفْ مُنْتَظِرٍا غودو
بَلِ انْتَبَذْتُ مَقَعَدًا بالعَرَبَهْ
و حَالَمَا القِطارُ غادَرَ المَحَطّهْ
يَنْسابُ في الظّلامِ كالثّعْبانْ
تَلاحَقَتْ أمامِيَ مَشاهِدُ
مِنْ رِحْلَةٍ قَدْ لَفّها النّسْيانْ.
☆ ☆
هذا أبي ساقاهُ قَدْ غُرِسَتَا في الأرْضِ كَالشّجَرْ
يَكْسُو التّرابُ جِسْمَهُ المُبَلَّلَ بِالعَرَقِ
كَأنّمَا فاجَأَهُ المَطَرْ
يُصارِعُ الأشْواكَ و الصّخورَ في الحُقولْ
لِيُنْبِتَ ما فيهِ حَسْبَ قَوْلِهِ
" نَصيبٌ لِلْعِيالِ و الجيرانْ
و النّمْلِ و الطيورِ و السّوائمِ
و كلِّ مَنْ يَمُرُّ بِالمَكَانْ"
لَكِنّما الجَرادُ يُتْلِفُ قُبَيْلَ النُّضْجِ كامِلَ المَحْصولْ
فَلا يُصابُ بِالإحباطِ مُطْلَقًا
و يَنْزِلُ مُجَدّدًا بِعَزْمِ برومِثْيوسَ لِلْمَيْدانْ.
☆ ☆
و هَذِهِ أمّي الّتي أَدْرَكَها المَخاضُ وَهْيَ تَحْتَطِبْ
فَوَضَعَتْ مَوْلودَها كَالشّاةِ في الفَلاةْ
و رَجَعَتْ لِلْبَيْتِ بَعْدَ قَصِّ حَبْلِ سُرَّتِهْ
تَحْمِلُهُ في حِضْنِها
قَدْ لُفَّ في بُخْنُقِها
و فَوْقَ ظَهْرِها الحَطَبْ.
لا أَحَدَ سِوايَ رَحّبَ بِالزّائرِ الجديدْ
فَ" الأنْثَى هَمٌّ طالَمَا لَمْ يَأتِ زَوْجٌ مُرْتَقَبْ
- كان يقول أهلُنا -
و سِلْعَةٌ سَريعَةُ البَوَارِ و العَطَبْ ".
☆ ☆
و هَذِهِ أخْتي بَدَتْ سَعيدَةً مُبْتَسِمَهْ
غَدَاةَ لَيْلَةِ زَفافِها
كَأنّها لَمْ تَذْرِفِ الدّموعَ حينَ غادَرَتْ مَنْزِلَنا
في الهَوْدَجِ مُنْكَمِشَهْ
لَكِنّها بَعْدَ شُهورٍ رَحَلَتْ
بِرِفْقَةِ جَنينِها
قَبْلَ الوُصولِ لِطبيبِ البَلْدَةِ الوحيدْ
مَحْمولَةً في عَرَبَهْ.
☆ ☆
و هَذِهِ وَليمَةٌ
أقامَها جيرانُنا
عِنْدَ نُزولِ ابنِهِمْ مِنَ الجِبالِ سالِمًا
بِصُحْبَةِ الثوّارْ
لَكِنّهُ بَعْدَ سِنينَ أُعْدِمَ
بِتُهْمَةِ " التّآمُرِ علَى الزّعيمِ رِفْقَةَ الأشْرارْ "
مِنْ دونِ أنْ تُعادَ جُثّتُهْ
فَكانَتِ الجنازَةُ غريبَةً:
لا مَوْكِبَ لَلدّفْنِ لا عَزاءَ لا أذْكارْ.
☆ ☆
و هَذِهِ أوْصالُ عَمّي جُمِّعَتْ في بُرْنُسِهْ
مِنْ بَعْدِما قَطّعَها و بُعْثِرَتْ
لُغْمٌ تَبارَى المِحْوَرُ و الحُلَفاءْ
في زَرْعِهِ بِحَقْلِهِ
في مَعْرَكَهْ
لا ناقَةَ فيها لَهُ
لا جَمَلَ لا بَقَرَهْ
و هذهِ زَوْجَتُهُ
وَسْطَ النِّساءِ حاسِرَهْ
يُخالِطُ نُواحَها الدّعاءْ
علَى " القْوِرّ(ه) " القَتَلَهْ.
☆ ☆
و هَذَا يَوْمِي الأوّلُ بِالمَدْرَسَهْ
و فَرْحَتي الغامِرَةُ
بِرَغْمِ خَوْفي مِنْ عَصَا المُعَلّمِ
بِكِسْوَتي الجديدَةِ و المِحْفَظَهْ
و اللّوْحَةِ و حزْمَةِ الأعْوادِ و الصّلْصالِ و الطلّاسَةِ و المِقْلَمَهْ
و نَوْبَةُ البكاءِ عِنْدَ عَوْدَتي
لِرُؤْيَةِ قِطّتِنا
ميّتَةً مُنْبَعِجَهْ.
☆ ☆
أفَقْتُ مِنْ إغفاءتي
و الصّبْحُ قدْ تَنَفّسَ و أطْرَدَ الدّيْجورْ
علَى صَفيرٍ يَبْعَثُ الأمْواتَ مِنْ رُقادِهِمْ
كَأنّما قَدْ نُفِخَ في الصُّورْ.
و حالَمَا اندفَعْتُ نَحْوَ البابْ
أحاطَتْ بي مَجْموعَةٌ مِنَ الضِّباعِ و الذّئابْ
عيونُهُمْ رَغْمَ البريقِ ثابِتَهْ
كَأنّها زُجاجْ
وجوهُهُمْ رغْمَ الدُّهونِ باهِتَهْ
كَأنّها تُرابْ.
وَ وَضَعُوا رغْمَ احْتِجاجي القيْدَ في يَدَيْ
بِدونِ أنْ يُوَضّحُوا الأسْبابْ
و أنْ يُثيرُوا في الجُموعِ حَوْلَنا اسْتِغْرابْ .
☆ ☆
لا تَسْألُوا عَمّا جَرَى
لَعَلّهُ يَكُونُ فَصْلًا في حِكايَةٍ
نَرْويها للصّغارْ
في وَضَحِ النّهارْ
إنْ عِشْنا يا أحْبابْ.
عمار العربي الزمزمي
الحامة، تونس، نوفمبر 2021
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق