الخميس، 20 يناير 2022

همسة في أذن شاب بقلم/ حشاني الزغيدي

 همسة في أذن شاب

أي ولدي الغالي، أيها الشاب الذي رسمته له في مخيلتي صورة خمائلية رائعة، صنعت له رسما في خيالي ، رسمت له صورة من قطف شبابي، حين كنت شابا في مقتبل عمري، تخيلته و أنا أعبر بدايات طريقي، أرافق الأصحاب في بداية مسيري، كطفل صغير في أول خطوه، يحلم مثل صعفور صغير  في بدء تحليقه.

عادت بي مسحات الذاكرة لتلك الأيام الأولى من شبابي ، حيث سلسلة الأوراق المطبوعة، كنت أصادق  الكتاب، أقرأ بنهم، كنت قطوف  ملخصات المطالعات على كراستي، أرسم رؤوس أقلامها في مدونتي.

فكنت أصاحب طيف  تلك الأيام المضيئة في عالم مزهو بالثقافة، كنا نمضي في بيئة صاغها الجفاف و الركود و الجحود، لكن رغبة شباب تلك المرحلة، كسرت القيود بقفزة نوعية، رفع الشباب العزيمة  متحديا ذاك الجمود و الركود، ، فكنا نتابع كل جديد ، نتابع حركة الثقافة من خلال معارض الكتاب التي تقام في قصر المعارض و مازالت ، أو خلال المكتبات أذكر منها للمثال لا الحصر، مكتبة قرفي بباتنة ، و مكتبة دار الشهاب ،و مكتبة دار الزيتونة ، و مكتبة دار الخلدونية ، كانت المنارات السرج الثقافية في وقتنا. 

الجميل و أنا أسترجع ذكرياتي مع الكتاب و المطالعة أخذني حلمي لأجدد الذكرى رغم تبذل الأحوال ، لكن ذكراها مازالت عالقة في مخيّلتي، بقى  حنين ذاك العهد يشد أمثالي لزهو تلك المرحلة  المشعة ، تشدنا  بجمالياتها و روعاتها ، فالظروف لم تكن كعهدنا اليوم ، حيث وسائل التعلم و التعليم و القراءة و المطالعة  أصبحت متاحة من خلال تكنولوجيا العصر الحديثة .

فقد كان الشباب في تلك المرحلة ، يقتنص الفرص، يغتنم المناسبات المربحة ، يطوي المسافات البعيدة  ليشارك بحضوره الملتقيات و الندوات و المعارض الثقافية، كان الشباب يومها لا تفوته فرصة المشاركة في الحراك الثقافي المبدع .

أن ما ميز حياتنا و نحن فتيان، ذاك التعاضد القوي، الذي صنع مشهدا ثقافيا مميزا ،تنشيط الفرق الإنشادية ، إقامة المسارح، إقامة الملتقيات الثقافية، و إنشاء قاعات المطالعة في النوادي و المدارس ، فقد كان شباب ذلك الوقت شبابا واعدا واعيا ، يحمل مشروعا ، يحمل مشروع يقظة بصدق .

و اليوم و أنا على أعتاب العقد السادس، مازالت  متعلقا  بروح تلك المرحلة الذهبية ، يشدني حنينها لأقطف من ثماره ، ما زلت أحن لتلك الأيام التي مضت ، أحن لأيام كنا فيها مثل الشموع المضيئة، مازالت  أشد حبال تلك  لمرحلة عمرية التي رسمت لها في ذاكرتي أعراسا و أفراحا، ما زلت اليوم أحن لأيام خلت ؛  أمنّي النفس الضعيفة لتستعيد ومضة من ذلك الزمن الجميل ،فأحمل  نفسي رغم ضعفها لترافق شباب هذا الجيل، تحكي له حكايات عشنا أفراحها ،إنها  حكايات زمن ولّى، لكن نفحاته باقية، فما زل الحنين يحملني  لأجالس  أنفاسي، أجالس  براعم الجيل الجديد ، أدفع بحريريات طاقتي الضعيفة، لأسعد نفسي في مجالس الثقافة  الشباب ، أجالس الشباب فأروي لهم قصة الثقافة في بلدي ، و أستمع رؤى الشباب وإبداعات الشباب ، ليس كثيرا أن أمنح جزءا يسيرا من وقتي و اهتماماتي لهذا الشباب الواعد ، أنقل بعضا من  مسيرتي المتواضعة ، أضع الجزء اليسير منها تحت تصرفه ، فأظل أتابع و أشجع كل مبادرة و كل خطوة و مشروع يرفع التحدي الثقافي في البلد ، لنكسر الجمود و السكون القاتل ، و الصمت المطبق ، ذلك ليس مستحيلا، أن نر تلك الجهود المباركة و قد استحالت واحة تشع بإبداعات الشباب في شتى الفنون ، لنر تلك الإبداعات و قد ولدت ورشات في القاعات و المعارض و المحافل، لصنع الحدث بلمسات الشباب .

ما يعيننا في هذه المرحلة أن لا نسمع لنداءات الفشل المرافق لتلك الولادة ، فعلى الشباب الذي يحمل مشروعه الواعد ، يترك حياة اللهو، يترك البقاء على الهامش ، يترك عيشة الاضطراب و التعثر ، أو التردد و الانزواء وراء الأوهام القاتلة ، على الشباب المضي في مسيره في ثبات، سيرا بخطى ثابتة 

ولدي الشاب لم يغب عن بالي أن البلد تخطو خطوات متقدمة في النشاط الثقافي المبدع من خلال تلك الماسات التي تحدت الواقع الصعب و الجحود لأهل الإبداع ، و لكن إصرار مجموعة محددة من أبناء البلدة رفعت الحجب ورفعت سقف المطالب ، أملي و أمنيتي أن يستمر العطاء لاستيعاب كل الطاقات الموجودة من خلال التنقيب واستثمار تلك المواهب في وعاء ثقافي جامع ، وهو أمر ليس مستحيل التحقيق ، إنما بالتفعيل و تجسيد المبادرات و المشاريع الثقافية أراه شريطة أن تتجمع الطاقات ، ليساهم الجميع في تلك اليقظة بمشاركته و حضوره و تشجيعه.

و في الختام همساتي أحيي  جهود كل داعم ، كل  موجه يبعث  نشاطا ثقافيا، يشجع  الثلة المميزة من الأدباء و الكتاب و الشعراء و رجال الإعلام المواكبين لحراكنا الثقافي .


الأستاذ حشاني زغيدي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق