الاثنين، 27 يوليو 2020

قصة الوقحة الجزء الثاني بقلم / رعد الإمارة

قصة (الوقحة/الجزء الثاني)

بخطواتٍ متعبة عدت للفندق، كنتُ أجرُّ اقدامي خلفي جراً،وحتى أكون منصفاً فأني لم أكن متعباً بقدر ماكنتُ محبطاً! فأحلامي الوردية اصطدمتْ بالواقع، نعم كنت فقيراً، حتى أكثر من فأر الكنيسة. كان عليّ الأغتسال أولاً ، ثم التفكير في وجبة الغداء المتواضعة التي لن تختلف كثيراً عن سابقاتها!  الواجهات الزجاجية لبعض المحلات في طريقي فَتحتْ ذراعيها وأخذتْ تناديني بقوة، تباً ، تنهدّتُ وأنا أحدّقُ بصف الأحذية التي كانتْ تلمعُ خلف الزجاج اللعين، ليس ثمة فائدة من الأماني الفارغاتْ، هكذا فكرّتِ قبل أن اتابع السير. أخترتُ مقعداً في زاوية بعيدة، فَضلّتُ الانزواء هناك بعيداً عن الواجهة الزجاجية الكبيرة للمطعم، البخار يَتصاعدُ من طبق السبانخ،ويدي تعبثُ بالملعقة، أفقتْ من شرودي، كان ثمة قطرات مطر أخذتْ تطرق الزجاج بخجل. لا أعرف كيف! لكن الشعر المجعّدْ وملامح الوجه الحلو والعيون الواسعة الوقحة، أطلّتْ، حتى أنها ارتسمتْ بصورة جلية على الزجاج، أشحتُ بنظري ،رحتُ أدير الملعقة في طبق السبانخ وأنا اهمس لنفسي :
-قليلٌ من الجنون لن يضر. في الصباح استيقظتُ مبكّراً هذه المرة، كان الطقس يشعُّ بالبرد ، تَصفحّتُ وجهي في مرآة مغسلة الفندق الخارجية،هذا لطيف، أن وجهي يضجُّ بالوسامة،تذكرتُ وأنا ارتدي ثيابي دفتر الملاحظات ذو الغلاف الأسود، رحتُ اقلّب في الكتب المنهجية، أنها ثقيلة، طيّب لنكتفي بدفتر الملاحظات الأسود فحسب! في الخارج كان البخار يتصاعدُ من أغلب أفواه المارّة، نَفختُ في اصابعي، حسناً لديّ بخاري الخاص بي أيضاً! توقفتُ عند ذات المطعم وصاحبه البدين الذي رحّبَ بي وهو يفرك يديه، طَلبتُ حليباً وقطعة كيك ذات ألوان زاهية. رَميتُ بالعلبة جانباً بعد أن أشعلتُ السيجارة الأخيرة، رحتُ انفثُ الدخّان وأنا أغذُّ السير صوب الكلية التي أخذ يلوح بناءها الأبيض أمامي، توقفتُ قليلاً مع رفاقي، أخذ بعضهم كالعادة يضحكُ بصوتٍ عالٍ وهو يَتلفتْ! تباً،ذات الطريقة الفاشلة لجذب انتباه الفتيات. راح الأستاذ الشاب  يَذرعُ ممر قاعة الدرس بنشاط، وهو يشرح غيباً أحدى محاضراته بصورة اخاّذة استحوذتْ على اهتمامنا، رحنا نصغي، بعضنا كان يتنهّدْ أو يبتسم، أما البعض الآخر فأخذ يختلسُ النظر لأي حركة قد تَبدرُ من البنات!. هذه المرّة لم أتوقف في الممر مع أصدقائي، كان نادي الكليّة يلوح أمامي، رحتُ أدور حوله ، لم اتجرأ على الدخول، كل شيء هنا كان  باهظ الثمن! ثمة من ينادي بأسمي، التفتُ للخلف، ياإلهي، جَمدتُ في مكاني، أنها هي! وقد عَرفتْ إسمي أيضا! تَقدمتْ نحوي وقد أشرقَ وجهها عن أجمل ابتسامة بغدادية، راحتْ تتنفس من أنفها وقد عَقدتْ مابين حاجبيها بتقطيبة فاتنة، قالت :
-هذا الصباح أنتَ أفضل، لم تخفضْ بَصرك، لقد بحثتُ عنكَ، ارشدني واحد من أصحابك. قالتْ هذا ثم غمزتني بطريقة جَعلتْ كل جسدي يرتجف! أدارتْ عينيها الواسعتين صوب بناء الكلية، كَتمتْ ضحكة، وهَمستْ :
-بعضهم ينظر نحونا من خلف النوافذ، امممم، حتماً أحدنا مشهور! تعال معي، لاتضيّع الوقت. مَشتْ أمامي فتبعتها دون تردّد، كنتُ منقاداً لها بقوّة خفيّة، رَفعتْ ياقة سترتها الضيّقة، قالتْ دون أن تنتظر رداً مني :
-لقد بدأتْ تبردُ أكثر.  يا إلهي سيقظى عليّ حتماً! أنها تقودني نحو نادي الكلية، وَضعتُ يديّ في جيوبي، حاولتُ أن احصي ما معي من مال، اوه لافائدة، سَيتوجبُ عليّ إلغاء بعض الوجبات من قائمة طعامي اليومية.  انتبذنا ركناً بعيداً ومنزوياً،كانت خبيرة في المكان!  حدّقَ بعضهم بفضول ثم عادوا لما كانوا عليه، قالتْ وهي تجلس بعد أن وَضعتْ ساقاً على ساق:
-أنتَ اليوم ضيفي، لاتقل شيئاً أرجوك. قالت هذا ومسّتْ كفي الممدودة! سَحبتُ اصابعي بعد أن هزّتني قشعريرة عجيبة، لاحظتْ ما اعتراني فَبرقتْ عيناها والتمع السواد فيهما بصورة مذهلة، هَمستْ :
-سنتغيّبُ كلانا عن المحاضرة القادمة، لاتقل أنك ترفض، سأنحبُ أمامك وأمام الجمعُ هذا. ياربيّ، ماهذه البنت؟ رحتُ أتلفتْ وقد شَعرتُ برجفة في قلبي ، لو أني رفضت ستفعلها،جنونها واضح ويطلُّ من عينيها ، رَفعتْ حاجبها، كان النادل الشاب يقف فوق رأسينا، طَلبتْ لنفسها قهوة وقطعة كبيرة من الكيك بالقشدة، أما أنا فقد اكتفيتُ بكوب من الشاي الساخن، قلتُ لها بعد رأيتها تزمُّ شفتيها الحمراوين :
-لقد تناولت فطوري، أقسم لك. رحتُ اختلس النظر إليها، كانت جريئة حتى في طريقة تناولها للطعام، لم تكن تبالي بأي شيء ، ومابين رشفة وأخرى من فنجانها العذب كانتْ تسرح في ملامح وجهي وهي تبتسم،وكأن احمرار وجهي قد راقَ لها! . (انتهى الجزء  الثاني ويليه الأخير )

بقلم /رعد الإمارة /العراق/بغداد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق