الاثنين، 27 يوليو 2020

رصيف وطن بقلم / ثريا الشمام

رصيف وطن
*******
في صباح هذا اليوم ذهبت لأتسوق، ولفت نظري على الرصيف المجاور طفلة صغيرة، جميلة، رثة الثياب. تبيعُ المناديل الورقية
وكانت تمسح حبات عرقها بكم ثوبها، وكأنه محرمٌ عليها استخدام المناديل التي تبيعُها.
أقتربت منها ملاطفة :مااسمك ياصغيرتي؟
اسمي :زهرة
ماذا تفعلين على هذا الرصيف المحرق؟ 
_أبيع المناديل. 
وأين اهلك ياصغيرتي؟ 
تبلع زهرة ريقها بأسى :مات أبي. 
وأين أمك ياحبيبتي؟ 
_أمي هناك على الرصيف المقابل تبيع جرز البقدونس. وأخي إلى جوارها يبيع علب الكبريت، ويمسح الأحذية. 
اما اختي وفاء فلم تأتي اليوم تعرضت لضربة شمس ليلة أمس وهي ترقد في الفراش
من بقى عندها؟ 
_تركتها أمي عند أمرأة عجوز تسكن في آخر هذا الشارع. وهي من تعطينا جرز البقدونس وأمي تقوم ببيعها مناصفةًوعند زوال الشمس سأذهب لإحضارها لأننا ننام هنا. 
هنا..... أين هنا؟ 
_ عند نهاية الرصيف توجد أنقاض غرفةٍ تأوينا حتى الصباح. 
فلا نستطيع أن نستأجر غرفة. 
وقفت مذهولة والدموع تتسابق من مقلي ويغصُّ في حنجرتي ألف سؤال..... 
ماذنبها؟ ماذنب أخوتها؟ ماذا سنقول لعارنا وتخاذلنا عن هذا
وأين العدل فيما يحدث هل ننتظر من الغرب أن يرسل لنا منظمات إنسانية فلا إنسانية لدينا. 
حاولت التماسك أمامها
 فتابعتْ تقول بألم : بقيت روح أبي تحرس بيتنا في الحي القديم حيث أن  البيوت كلها تدمرت. 
قالت لي أمي أنه بقى يحرس ألعابنا ودفاترنا وحقائبنا المدرسية سيحرس كل الذكر يات 
سألتها :حبيبتي وماذا بعد؟ 
حلّقت عيناها في السماء كعصفورين صغيرين فقالت متنهدة: لنا في هذا الوطن رصيف. ننام فوقه ونقتات لقمتنا فوقهُ يئنُّ لحزننا ويتألم لبوحنا. 
عندها نظرت إلى الرصيف وعانقته بنظراتي المبتلّة. تأملته ملياً واستطال تأملي. 
 أن العالم كله يختصره رصيف. لم أعد أرى حوافّه، بل بات بلا حدود، بلا أفق بات الرصيف وطن يحنو ويلمُّ ويشتاق ولاغربه فوقه ركعتُ عند كبريائهِ، وقبلت أرضه 
فجدير بهذا أن يُقبل وأن تُلعن بالأحذية تلك القلوب ذات الأرصفة المتحجرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق