الاثنين، 27 يوليو 2020

قصة الشمس خلف الربوة بقلم / سعيدة الزراعي

#بقلمي
#قصّة_قصيرة
                  * آلشَّمْسُ خَلْفَ آلرَّبْوَة *

تحثّ الخطى مبتعدة عن المنزل .. تقف للحظات .. تمدّ وجهها لنسيمات باردة .. تنتعش .. و تحثّ الخطى مجدّدا فوق عشب مبلّل بقطرات النّدى .. أشعّة الشّمس تتسلّل من خلف ربوة لا تبعد كثيرا عن مقرّ سكناها .. لطالما أحبّت هذا المشهد .. الشّمس و هي تشرق رويدا .. رويدا .. من خلف الرّبوة.

في هذه اللّحظة تنسى كلّ شيء .. محفظتها البالية .. حذاءها المثقوب .. كوخهم المتداعي .. و كلّ تلك النّقائص !!
ظهور النّور بعد العتمة .. الإشراق بعد الأفول .. أَوَ لَيْسَ هذا ما تتمنّاه !!  .. أن تستطيع يوما ما أن تمنح والدها المريض و أمّها التي أنهكها العمل المضني في صنع الخبز و بيعه على الطّريق للمارّين المسرعين بسيّاراتهم الفارهة .. حياة كريمة تليق بهما .. و أن تكون مصدر فخر لهما.

تسرع الخطى نحو تلك المدرسة النّائية بأقسامها القليلة المتصدّعة جدرانها .. الزّاحفة إليها الرّطوبة .. و لا سور يحميها من الكلاب الضّالّة !!
لكن هناك الكثير من الدّفء في وجه معلّمها "ناجي" .. هو يستقبلهم كلّ يوم إستقبال ضيف عزيز .. يسألهم عن أحوالهم ويستمع إلى أحاديثهم بآبتسامة ودودة .. و يتقاسم معهم الطّعام .. و يجفّف معاطفهم و محافظهم المبلّلة بماء المطر !!

معلّمها "ناجي" نقطة مضيئة في عالمها القاسي .. تجده مصدر إلهام و باعثا للأمل .. 
تحدّث نفسها ستصبح معلّمة أسوة به.

تكمل طريقها و هي تجدّد طموحاتها لغد أفضل .. ستمرّ بعد قليل بالوادي .. في هذا الوقت من السّنة يصبح المرور عبره خطيرا .. فرغم أنّ مستوى المياه فيه ضئيل إلاّ أنّه بعد يوم ماطر قد يَحْمِلُ فجأة و تأخذ المياه معها الأخضر و اليابس !!
أصبح الجوّ أكثر برودة .. غطّت الغيوم كلّ أشعّة الشّمس فلم تجد منفذا للتّسلّل .. نزلت زخّات مطر لها وقع ثقيل .. تسمّرت "مها " في مكانها تلتفت باحثة عن مكان تحتمي فيه من المطر .. الأرض حولها فضاء فسيح .. لا أشجار .. و لا منازل !!

ستحاول الوصول إلى المدرسة بأسرع ما يمكن .. بلغت الوادي .. مرّت فوق جسر بسيط من جذوع الأشجار .. زلّت قدمها فسقطت .. حاولت الصّعود .. إشتدّ هطول المطر .. الأرض تحتها أصبحت زلقة .. تحوّلت إلى طين .. كلّما حاولت الصّعود .. كانت قدماها تغوصان أكثر !!
تشبّثت بنبات على حافة الوادي .. لم يكن قويّا كفاية .. فآنزلقت أعواده الغضّة من بين يديها .. لتجد نفسها ملقاة في قعر الوادي.
فجأة يأتي السّيل .. أمواج هادرة تسرع نحوها .. تحمل في طريقها الحجارة و الأخشاب و كلّ ما يعترض سبيلها .. حاولت الوقوف و لكنّ تيّار المياه حملها معه.
كانت تقاوم .. تصرخ .. تبتلع الماء .. تتشبّث .. دون جدوى .. كان السّيل أقوى منها و حملها بلا مبالاة !!

                   
كانت الحصّة قد بدأت الكلّ وصل ما عداها .. " مها " لم تحضر بعد .. كان مكانها شاغرا .. لم يستطع المعلّم "ناجي " أن يكمل الدّرس !! 
عادة هو يسأل و هي تجيب و يمرّ الدّرس حيويّا في حضورها .. الوقت يمرّ ثقيلا .. المعلّم "ناجي" يمدّ بصره كلّ حين خارج القسم .. علّها تأتي !!
هو يعلم ما يعانيه الأطفال لبلوغهم  المدرسة .. المسافة الطّويلة و أهوال الطّبيعة !!
طلب المعلّم من التّلاميذ أن يمكثوا في أماكنهم و أن لا يغادروا المدرسة .. و آنطلق دون تردّد متدثّرا بمعطفه يبحث عن "مها" و قد حدّثه قلبه أنّ مكروها قد حدث لها .. بلغ الوادي و رأى المياه الهادرة .. سار على حافته يمعن النّظر .. سار مسافة طويلة و لكن لا أثر لها .. همّ أن يعود أدراجه يائسا .. لكن في اللّحظة الأخيرة .. لمح شيئا ورديّ اللّون .. إنّها ميدعة "مها".
و جد المعلّم تلميذته متشبّثة بصخرة .. تكاد تغمرها المياه .. ترتجف من البرد .. و شفتاها ترتعشان .. ناداها " مها، مها "  .... إلتفتت إليه و بدا لها مثلما كان دائما مصدر الإلهام و طوق النّجاة !!
مدّ ذراعه لها فتشبّثت به .. و عاد بها إلى المدرسة .. كان يوما شاقّا لكليهما.
نسي "ناجي" الدّرس تماما .. أصبح كلّ همّه أن يدفأ الأطفال .. أن يطعم الجياع .. أن يسأل عن أحوالهم .. أن يوفّر لهم ملابس لائقة .. محافظ وكتبا و كراريسَ وأقلاما .. وسلاما وأمانا يصحبهم في دروب النّور وطريق المعرفة.

سعيدة الزّارعي/تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق