الثلاثاء، 7 يوليو 2020

سامحني يا أستاذي وأسف على الإزعاج بقلم / عبد الرحمن الحازمي

سامحني يا أستاذي وآسف على الازعاج 

من الذكريات الجميلة التي لا زال الفكر يستعيدها بين الفينة والأخرى ويتلذذ بجمال ما فيها من صور ، ويتمنى أن يعود ذلك الزمان ، ليثبت فيها عقارب ساعته .
  تم تسجيلي في المدرسة الإبتدائية ، وكان عمري حينها لم يتجاوز الست سنوات ، وأنا في ذلك السن  كان شروط القبول وقتها أن تلحق يدي اليمنى بأذني اليسرى ، أظن من كان في عمري الآن يتذكر ذلك المقياس الذي  أبت  يداي حينها أن تساعدني كي اجتاز هذا المقياس المعقد ، وبعد محاولات عديدة وتوسطات من جارنا العزيز الذي كان يعمل بهذه المدرسة مدرس للغة العربية ، والذي أظنه قد ندم على توسطاته لي حتى تم قبولي بسبب المتاعب الذي قد تسببت فيها له ، ومنها مرافقتي للذهاب للمدرسة ، ولأني أحبه ، وامون عليه قد أسْقَطت تلك المحبة والميانة كل تلك  الاعتبارات التي يجب أن أحملها له كأستاذ .
  فرحتي بقبولي في المدرسة جعلتني أصحو مبكرا كي أذهب للمدرسة قبل أن تصحوا والدتي ، وقبل طلوع الشمس ، علما إن المدرسة لا تبعد عن منزلنا سوى دقائق معدودة قد لا تتجاوز الخمس دقائق سيرا على الأقدام ، وبينها وبين منزل جاري الأستاذ أقل من ذلك ، ولكن أنا لا أذهب إلى المدرسة مباشرة  بل أذهب أولا لمنزل استاذي (جاري العزيز  وواسطتي ) ، لكي أقعده من نومه ليذهب معي للمدرسة ، وقد كان في ذلك الزمن الجميل بيوت قريتي من العشش ، وأسوارها من أغصان الشجر ، وليس لها أبواب ، فكنت أدخل على الأستاذ وهو نائم في حضن زوجته ، أو زوجته في حضنه ، وهم خارج العشة طالبين للهواء البارد ، فأقف عند رأسيهما منبهاً لأستاذي بصوت منخفض ، كي لا أتسبب بإزعاج لزوجته ، بقولي  محمد وأعيد تكرارها حتى ينتبه ، وأقول له هيا بنا لنذهب إلى المدرسة ، وأزيد بقولي يالله قوم لا تأخرنا عن الطابور !! ، فيفتح لي نصف عينه لينظر من هذا الذي يقعده من النوم ، في حين غلس ، ويفز وهو مفجوع من نومه ، ويجلس ، وهو لا بس من غير هدوم على رأي عادل إمام ، فينظر إلى السماء وهو يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، وينظر إلى الأرض فلا يجد عليها سواي ، ويعيد النظر إلى سريره فيجد زوجته ، وهي قد تمسكة بلحافها مفزوعة ولا يرى منها سوى عينان جاحظتان ، وكأنهُ  أرعبها  بتلك اليقظة المباغتة ، فأعاد النظر إلي وهو متعجب ويقول:- خير إنشاء الله بوجهٍ عابس ، فأعدت عليه ما سبق أن قلته  ، فرد علي بقوله ، إنا لله وإنا إليه راجعون ، روح قدامي وأنا ألحقك أيها الزميل المثابر ، فقلت له :- أقول قوم وخلي عنك الكسل !! فضحكة زوجته و استعادة أنفاسها حينما علمت إن من يقف بجوار سريرهما هو أنا ، وليس شيطان من الجن ، ونظر إليها الأستاذ ، وهو يتسائل ، ماذا أفعل مع هذا الصبي ؟ هل أقوم اذبحه وأرتاح منه ؟ ، وهم أن يقوم ، ولكن الوضع الذي هو فيه لا يسمح ، فأراد أن يشغلني عنه  ويصرف نظري حتى يستطيع أن يستتر ، فقال لي :  أعطني ماء ، وكانت ايامها لا نعرف معنى الكهرباء ، فلا ثلاجات ولا برادات بل الماء كان في جرة من الفخار لا يستطيع من في سني حينها تحريكها  ، فأستحيت أن أقول له لا استطيع ولكن ذهبت على أمل أن جرة الماء قد خفت وقل ما ئها ويمكن استطيع تحريكها لأجلب له الماء ، ولكن للأسف قد كانت الجرة ثقيلة لم أستطع إنزال رأسها لتنال من ذلك الكأس الذي وضعته أمامها لتصب لي  الماء ، فنظرت إلى الخلف لأجد من يغيثني من هذه الورطة الذي أوقعني فيها الأستاذ ، فإذ به قد وقف في باب العشة ينظر لي ، وهو يقول ساخراً مني ما قدرت تحركها لتصب لك الماء ، وهو يتمتم بكلمات لم أسمعها ، ولكن أظنه كان يقول ، والله لولا الخوف من الله لأتيت  ووأضعت هذه الجرة على صدرك حتى تحرم أن  تأتي إلي في مثل هذا الوقت ، ورفع صوته قائلا عود إلى منزلك ، وقل لأمك أن تعمل لك الفطور ، فالوقت لا زال مبكرا على المدرسة ،  فقلت له سأعود عند الفسحة للبيت ، وساتناول وجبة الإفطار حينها  يكون قد صحة أمي ، قال : - رحمت أمك ، ولم ترحم أمي وتدعني أنام ، حسبي الله عليك وعلى أمك ، سحبته زوجته وكانت تقول له كلام لم أسمعه ! ، وكأنها كانت تقول له  استح يا زوجي العزيز ، ولا تفضحنا من جيراننا ، والتفتت إلي ، وقالت :- تعال لتفطر أنت ، ومحمد فقلت لها لا والله ما اشتهيه الآن ، وحلفت علي أن أفطر معهم ، وجاء الأستاذ يسحب بيدي حتى ادخلني العشة ، واجلسني على الكرسي المفروش بالحبال ننتظر معا انتهاء تسخين ذلك القدر الذي كان به رز ، وشيء من خبز التنور الأحمر( عزبة) ، فتناولنا أنا وهو فطورنا ، وشربنا الشاي ، وذهبنا إلى المدرسة ، ونحن نسير في الطريق كان يقول لي لو أشوفك يوم غد تقف بجوار سريري لأجعل من أذنيك ، وأذني أمك أربع ، فخفت من تهديده ذلك ، ولم أعد المرور عليه.
رحمك الله استاذ محمد اسماعيل تمت 🖊

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق