الأحد، 23 أغسطس 2020

الكحيلة بقلم // عبد المجيد علي

الكحيلة
رواية مسلسلة
في ضيافة بني هلال 
الحلقة الأولى
في مكان ما في قلب الصحراء المسماة نجد، في زمن عاش رجال يعرفون بأسماء الجدود الاقدمين، حفظت ذاكرة الجبال حروبهم وسطرت على صخورها تقاليدهم العتيدة، رجال أوردتهم أخلاق الشهامة و النجدة ذرى السموات، وأهلكت منهم أبطال كثيرين، استجابة لنداء المغلوبين على أمرهم، أياً كان من هم، كان النهار في أوله، تسطع شمسه بهدوءٍ أزلي على مساحات شاسعة من العشب، ومجموعات الغزلان ترعى بسلام وحذر، فجاءة إنطلق حصان أشهب من خلف إحدى الصخور العظيمة المتناثرة في الوادي، صرخات الفارس المعتلي السرج أفزعت قطعان الغزال، فانتشرت تتقافز بلا هدف في أرجاء الوادي، انفصلت واحدة عن الجمع فزعة تتجه إلى سفح الجبل، تريد إرتقاء الصخور هرباً من الصياد، بينما ترقبها عينان أخرتان خلف أحد الحوائل الصخرية بصبر حتى إقتربت الغزالة من مكمن الصياد الثاني فأفلت لجام فرسه الحمراء منطلقاً نحوها، قاطعاً أمامها الطريق نحو صخور الجبل، إندفعت الغزالة تغير مسارها بسرعة، قافزة فزعة، تهرب في إتجاه يبعدها عن الخطر، و في غضون لحظات قليلة كانت فرس الصياد الثاني تعدو بمحازاة الغزالة، بينما يميل الفارس على سرجه قابضاً على حربة قصيرة يطلقون عليها مزراق، فيلوح بها بحرفية بجوار الغزالة ليصيب النصل الحاد ساقها، قاطعاً الوتر الواصل بين الفخذ و الركبة، فتسقط  أرضاً تتلوى وتجاهد للنهوض، تطلق صراخ متألم وهي تنهض لتسقط مرة أخرى، عاد الصياد بسرعة نحو الغزالة، ثم قفز من فوق الفرس قبل أن تتوقف ليهبط على ركبته قابضاً على الغزالة، وبسرعة وإحتراف يستل سكينا حاداًً من حزامه ليذبحها وهو يبسمل، يريح الغزالة من جراحها كيلا يطول عذابها، إستقام الصياد الثاني واقفاً يرقب الأول فوق حصانه الأشهب، لا يزال يطارد إحدى الشاردات موجهاً نحوها رمحا طويل القصبة، حتى حانت منها لحظة تردد في إتجاهها، فيطالها نصل الرمح و يغوص في جانبها، يفلته الفارس حتى لا يؤذيها أكثر من ذلك، ثم صنع الصياد الأول ما قد سبقه إليه الثاني، ثم إستقام فوق طريدته المذبوحة يواجه صاحبه، فأشارا لبعضهما مبتسمان تلتمع أسنانهما الناصعة في صفحة وجهيهما السوداء .
تهادت الخيول في سيرها والفارسان يتبادلان الحديث فوق صهواتها، وبينما هما في طريق العودة، إلى حيث يأخذان الطرائد للتجهيز و الشي، يمنيان نفسيهما بوجبة هانئة وليلة سمر، يرتفع على مرمى البصر غبار جواد يركض بسرعة فتوقفا بتوجس . 
الصياد الأول - أخشى أنه عتيق. 
الصياد الثاني - خيراً. 
إقترب الراكب القادم وظهرت ملامحه، فكان كما توقع الأول، انه أحد رجال المعسكر واسمه عتيق، كانت هيئته و طريقته في التلويح لهما لا تبشر بخير بخلاف ما توقع الثاني. 
عتيق - سيدي. سيدي. سيدي  
الصياد الثاني - على رسلك يا عتيق ما ورائك ؟
عتيق - غلام يناوش العبيد قرب التل. 
لم يعاود الصياد الثاني حديثه، وإندفع ثلاثتهم ينهبون الارض بخيولهم حتى سفح التل حيث نصبت خيامهم، وبينما يقتربون ظهر مجموعة من الرجال يتناوشون بالسلاح، أربعة منهم يشهرون حرابهم، ويتحلقون حول فرس بيضاء، على صهوتها شخص ضئيل الحجم، يبدو من البعد غلام صغير، قابضاً على سيف ويحتمي بدرع، يدافعهم قرب جمل يعلوه هودج مسدل الستائر، ومع إقترابهم إتضحت أصوات المعركة و تبادل السباب بين العبيد و الفتى، بينما تنطلق من الهودج صرخات امراءة تستغيث. 
الصياد الثاني - ويحكم أوقفوا القتال. 
كان لصوته الجهوري فعل السحر في الرجال الأربعة، حيث تراجعوا بسرعة، فتراجع الفتى بفرسه ثم دار دورتين حول الجمل بحركة تمويه، وإندفع بعدها نحو الخيل القادمة مباغتاً شاهراً سيفه، كان الغلام شجاعاً إلى حد التهور، يترك الجمل غنيمة للرجال ورائه، ولم يفوت العبيد الفرصة فإندفعوا يقودون الجمل بعيدا،ً فأطلق صوته معترضاً مما جعل الغلام ينتبه لخطأه، فيتوقف يريد العودة لينقذ الجمل والهودج. 
الصياد الثاني - يا غلام، على رسلك أنت في أمان، ما نحن بلصوص. 
كانت فرس الغلام قد إندفعت تحمحم نحو من حاول قيادة الجمل من العبيد، ليتراجع العبد مسرعا،ً يبتعد عن مسارها، إستدار الغلام بفرسه الثائرة، ينقل بصره بفزع و ترقب بين الجمع الذي قد بدأ في التحلق حوله، كان من حادثه يبدو كبيرهم، و قد سيطر على الجميع إلا أن أسلحتهم لم تزل مشهرة، إقترب الصياد الثاني ليصبح في مواجهة الفتى ثم توقف على بعد عدة أمتار. 
الصياد الثاني - أخبرني عن إسمك أيها الفارس و اطمئن. 
إرتفع صوت الغلام بفخر و غضب. 
الغلام - أنا راشد بن داغر بن سعد بن المسيب بن النعمان الكوفي ومقصدي نجع هلال و هؤلاء العبيد إعترضوني و أمي، من أنتم إن لم تكونوا قاطعين للطريق ؟
الصياد الثاني - قد بلغت الحمى يا بن الكبار، نحن من بني هلال، و أنا سلامة بن رزق بن نائل الهلالي، هدئ من روعك و طمأن والدتك، أنتم ضيوفنا و ما قصد العبيد إلا الإستفسار عن سبب سيرك نحو نجعنا خشية أن يكون مقصدكم شر . 
راشد - بئس الظن،  إن بعض الظن إثم. 
إبتسم سلامة ثم وجه حديثه للعبيد يأمرهم بقيادة الجمل والإعتناء بسقايته و إنزال هودج السيدة،ثم توجه نحو راشد بحديثه. 
سلامة - نعم الإبن من يزود عن هجين أمه، هلم بنا حيث يمكننا قرايتكم فأنتم ضيوفنا. 
راشد - ما تركنا بلادنا إلا صوبكم، غرضنا اللجوء إليك بمعروف. 
سلامة - نضيفكم أولاً يا فتى، و أنا لك. 
في المعسكر حول نار المساء، جلس سلامة يرحب بضيفه، يلقي أوامره بين الحين و الحين على الرعيان و الطاهي، على مقربة من الفتى جلست الأم تلتحف سواداً لا يبين منها شيء .
سلامة - يا أبا القمصان هلم إلى السيدة بماء. 
خف الصياد الاول واسمه أبو القمصان إلى قربة معلقة أعلى حامل ثلاثي القوائم لتبرد في هواء الليل، أبو القمصان أحد رجال حاشية الأمير سلامة بن رزق، و صديق طفولته، من يراهما معاً يحسبهما أخوان، لشدة التشابه في تصرفاتهما و طريقتهما في الحديث، هو رجل دون قامة سلامة طولاً وضخامة، بشرته سمراء مطفئة السمرة، له وجه مستطيل وسيم، يرسل شعره الفاحم من أسفل عمامته ليصل إلى ما بين كتفيه، ناحل الجسد، إلا أن أوتار أصابعه تدل على شدة بأسه، تختلف ملامحه عن باقي العبيد، حيث يدعي والده رياح أن أصولهما تعود إلى أمراء الهند .
أما الضيف، راشد بن داغر، فهو فتى دون العشرين ليس بالطويل، عريض الكتفين بالنسبة إلى عمره الغض، لا يعتمر عمامة، فيبدو رأسه قصير الشعر أسوده، واسع العينان في ملاحة، عريض الذقن، محترق البشرة بفعل المكوث تحت الشمس فترات طويلة، فيبدو فارق اللون في نحره وباطن ساعديه ‘ كثير الإبتسام بخجل وهو مطرق على خلاف ما كان منه من إقدام وشجاعة في الظهيرة. 
فرغ العبيد من إقامة خيمة إضافية للسيدة، حيث لا يمكنها المبيت في خيام المعسكر المشتركة، وبعد برهة إستدعت ولدها فقضى معها بعض الوقت ثم عاد ليدعو سلامة و أبو القمصان إلى مقابلة أمه
عبدالمجيد علي
Abdlmaged Aly

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق