السبت، 19 سبتمبر 2020

أصابع بقلم // رعد الإمارة

(أصابع) الجزء الثاني 

وجدتها في ذات المكان،دنوتُ ببطء حتى كدتُ أقف فوق رأسها، كان بوسعي رؤية كيف كانتْ تَجذبُ العشب القصير بأصابعها بتوترٍ واضح ، تَنهدتْ بصوتٍ مسموع، وقالت :
_رأيتكْ، تعال هنا أمامي. بأبتسامة بلهاء اتبعتها بضحكة قصيرة حاولتُ من خلالها أن أخفي ارتباكي المعهود، قلت وأنا أجلس أمامها :
_آسف جداً، عَلقتُ في الزحام، كدتُ التهم أطراف أصابعي قلقاً عليكِ عزيزتي ، ثم حدث هذا. أريتها شاشة هاتفي المنطفأة، مدّتْ أصابعها الطويلة الحلوة المتناسقة، أسقطتُ هاتفي في راحتها المنبسطة، تلاشتْ تقطيبة جبينها، ولاح ظلُّ ابتسامة على فمها الصغير، أخذتْ تعبث في حقيبتها،مالبثتْ أن مسّتْ شاشة هاتفي بمنديل يشبه لون السماء هذه المرة، أخذتْ تمسح برفق، قالت وهي تواصل عملها :
_كدتُ أرجع وأنا غاضبة،لقد نَقمتُ عليكَ بشدة. قالت هذا وبرقتْ عيناها في وجهي، ياه ما أشدُّ جمال العينين حين يرتسم فيهما بعض العتاب وشيئاً من الألم، قلت وأنا ابتلع ريقي في حضرة الجمال شبه الغاضب:
_آسف، أعدكْ لن يتكرر ذلك ، سأشحن هاتفي دوماً. قاطعتْ كلامي وهي تلفُّ هاتفي بالمنديل :
_نعم، يجب عليكَ أن تفعل ذلك، لكن آه، نسيت شيء، لايجب أن تفلت من العقوبة، مارأيك؟. جثوت على ركبتيّ أمامها، أحنيتُ رأسي كما يفعل المذنبون، سمعتها تهمس وهي تتحسّر :
_ملعون، تعرف نقطة ضعفي. مسّتْ كتفي بأصابعها الفاتنة، قالت وهي تضغط على نقرة الكتف :
_عفوتُ عنكَ، هيا ساعدني على النهوض، سآخذك بجولة في حديقة الحيوانات. قلت وانا اقبض على أصابعها الطريّة بين يدي :
_لنأكل شيئاً، حتماً أنتِ جائعة.
_ليس الآن، سأريك الدب أولاً. رحتُ أسير بجانبها، حاولتُ قدر الأمكان الاحتفاظ بيدها في يدي ، كانت تبتسم بعذوبة وهي تتعمّد صدم كتفها بكتفي، لم تكن مبالية بنظرات الفضول التي راح بعض روّاد الحديقة يرموننا بها، كانت تسير بشموخ وهي ترمقني بنظراتها الجانبية ما بين حينٍ وآخر.  ما أن وصلنا قريباً من المكان حتى جَذبتْ يدي، مشيتُ منقاداً خلفها وهي تجرّني، قالت وقد لَمعتْ عيناها ببريقٍ غريب :
_أنظر هناك،اترى ذاك الدب الهرم؟  يا للحظ التعس، يبدو راقداً، ليس سهلاً جلبه إلى هنا، إلا إذا القينا اليه بشيء. قالت ذلك ثم راحت ترمقني فجأة بأهتمام، اتسعتْ عيناي وفرَّ لوني، هل تفكّر هذه المخلوقة الحلوة بأن تلقي بي بين مخالب الدب مثلاً! انحنتْ فجأة والتقطتْ حجراً، تَراجعتْ للخلف، قالت وهي تضربْ الأرض بقدمها :
_راقب، وتعلّم مني. ضَحكتْ بجذل مثل طفلة، ثم طَوّحتْ بالحجر صوب العشب المرتفع، قلت وأنا التقط حجراً من على الأرض :
_رميتك خاطئة، حجرك وقع في العشب عزيزتي،انظري، مازال الدبُّ ملتفاً حول نفسه بجانب العشب. أشرت بيدي صوب الهدف، قبل أن القي بحجري أنا الآخر وجدتها تضحك فجأة وتمسك بكتفي :
_مهلاً مهلاً، ياربّي، ماذا دهاك؟ بجانب العشب ليس دباً أنه صخرة كبيرة، الدبُّ هناك بين العشب، أنظر لجرمه الضخم المتموّج وفرائه المائل للصفرة. أخذتْ تتنفس من أنفها بشدة وهي تواصل الأشارة بأصابعها نحو نقطة ما أن تتبعتها حتى ابتلعتُ ريقي:
_يا إلهي، يا إلهي، يبدو ضخماً عزيزتي، تباً، كيف لم اره، أصبح نظري ضعيفاً، ياللعار. أخذتُ أهزُّ برأسي أسفاً، التفتتْ صوبي وهَبطتْ يدها إلى جانبها، قالتْ وهي تكادُ تلتصق بي :
_احب عينيك النرجسيتين حبيبي، آه لو تعرف كم أني مغرمة بهما. تَنهدتْ قبل أن تجرني من يدي، قالت :
_تعال، دعنا نبحث عن شيء من الطعام لنا وللدب يا عزيزي. لم نبعد كثيراً عن قفص الدب، كان ثمة كشك صغير يقدّم الشطائر، قلت وأنا أقودها إلى طاولة شبه منعزلة :
_اجلسي عزيزتي ريثما احضر الشطائر والعصير، أتفضلين نوعاً معيناً منه؟ أعني العصير. قلت ذلك وأنا أجذب لها مقعداً بجوار حافة النهر المتعرج، قالت وهي تمسح مقعدها ومقعدي ببضعة مناديل ورقية كوّرتها في يدها ذات العروق الزرقاء :
_شطيرة واحدة وعصير برتقال. ترددتُ قليلاً، رَفعتْ رأسها وارتسمت علامة أستفهام حلوة على قسمات الوجه الوسيم، قلت :
_علكة أو ماشابه. ربّتتْ على حقيبتها السوداء، هَمستْ وقد اتسعت ابتسامتها :
_لدي هنا مخزون يكفي عشيرة. (لابد من تكملة 😤)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق