(نصر رمضان / أكتوبر 1973) - (محمد رشاد محمود)
كانَت أيامَ مجدٍ ، عرَفَ فيها الجَيشُ لِمَن يُفَوِّقُ سَهمَهُ واسطاعَ - بعدَ الدُّربَةِ وأخذِ الأُهبَةِ لِلظَّفَرِ- أن يُرغِمَ أنفَ خَصمِهِ ويَستَرِدَّ كرامَةَ شعبِهِ ، وصادَفَ أنْ تُوفِّيَ طَه حسين ، والحربُ يتَسَعَّرُ أُوارُها وتتبدَّى لمن معالمُ النصر فيها ، فدخَل الحزنُ على فقدانِهِ في سياقِ البهجَةِ له ، واستنطقاني في التاسعةَ عشَرَةَ بهذه الأبيات :
أَتُراكَ آنَســتَ العـــلاءَ فغُـودِرَت
دُنيـاكَ يَصحَبُ رُوحَكَ الشُّهـــداءُ
كَـرُّوا كَتَثباقِ القَموصِ تَضَوَّرَت
مِنهُ الحَصاةُ وهــاجَتِ الأحشــاءُ
وكـــأنَّمـا غازُ السُّـحورِ المُقتَنَـى
وكـــأنَّمــا داءُ الـــرَّدَى الأعـداءُ
عَبَـروا فَأرهَجَتِ السَّـماءُ جَهامَةً
واســـتَبسَلوا فاهـــتَزَّتِ الأرجاءُ
فَنَمَــتْ دُجُــنَّاتٌ تَـرَقرَقُ باللَّـظَى
شَــرِبَتْ حُمَيَّاهــــا دَمًــا سَـــيْناءُ
والحَقُّ يَجلــوهُ الكَــمِيُّ فَيَنجَلــي
لِلظُّلــمِ مِنـــهُ ضَراعَــةٌ نَكــــراءُ
عَشرٌ مِنَ الشَّهْــرِ الكَـريمِ تَنَهَّدَت
مِثــلَ الأَكِــــمَّةِ بَينَهــــا الأفعــاءُ
أضمَرنَ مُعجِزَةً فَفَسَّـــأَ خِدرَهـــا
ثُبُتٌ علَى دَركِ الــرَّدَى بُسَــــلاءُ
تِلــكَ الحيــاةُ أمـا تَمنُّ على الفَتَى
إلا وقَـد شَـــابَ اللُّـهَـى إغـضـاءُ
(محمد رشاد محمود)
.............................................................................................................................................
ثَبَقَ النَّهرُ ثَبقًا وتَثْباقًا : أسرَعَ جَريُهُ وكَثُرَ ماؤُه .
القَموصُ : الأسَد . الحَصاةُ : العقلُ والرَّأيُ .
السُّحورُ: جَمعُ سُحر(بفتح السين) ، وهي الرِّئَة .
أرهَجَت السَّماءُ : هَمَتْ بِالمَطَر. والمعنَى الأغلبُ هنا : أثارَت الغُبارَ.
الدُّجُنَّةُ : الظُّلمَةُ والغَيمُ المُطبِقُ الرَّيَّانُ المُظلِمُ ، لا مطَرَ فيهِ .
الحُمَيَّا : سَورَةُ الكأسِ وشِدَّتُها ، أو إسكارُها وأخذُها بالرَّأسِ .
الكَمِيُّ : الشُّجاعُ ، أو لابِسُ السِّلاحِ .
الأفعاءُ : الرَّوائِحُ الطَّيِّبَةُ . فسَأَ الثَّوبَ : شَقَّهُ .
الخِدرُ: سِترٌ يُمَدُُّ للجاريَةِ في ناحيَةِ البَيتِ ، وكُلُّ ما واراكَ مِن بَيتٍ ونَحوِه .
اللُّهَى : جَمعُ (اللُّهيَة) وهي العَطِيَّةُ ، أو أفضَلُ العطايا وأَجزَلُها .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق