الخميس، 15 أكتوبر 2020

قصة هلوسة بقلم // رعد الإمارة

 قصة (هلوسة )


كان الطقس حاراً ولزجاً، حدّقت في سقف الغرفة ،إلى حيث المروحة السخيفة التي كانت تدور بصورة عرجاء، وتذكرت عندما ابتعتها أول الأمر ، فتحسرتُ بقوّة ! أرهفتُ سمعي جيداً، كان ثمة حركة مصدرها (البراد الصغير) القابع خلفي، أوه ، سيبدأ الموال أخيراً. كانت الساعة قد جاوزت الواحدة بعد منتصف الليل حينها، طردتُ عن ذهني فكرة النوم مجدداً، جلست في سريري، فأصدر الأخير صريراً مزعجاً، التفتُ يميناً نحو (البراد) ، كفّتْ حركة الزائر الضئيل الخفي، فأر لعين هكذا قلت لنفسي قبل أن أشعل  سيجارة. وضعتُ علبة السجائر في جيبي،أخذت أدور في غرفتي الفقيرة الأثاث قبل أن أفتح (باب البراد) ، قلبت شفتي متبرماً وأنا أحمل معي بقايا العشاء البسيط ،ثم تسلحتُ بعلبة بيبسي صغيرة قبل أن أترك الغرفة هرباً من الحر اللعين!. كانت طاولتي الصغيرة في مكانها المعهود، وضعت بقايا الطعام ثم جررتُ المقعد البلاستيكي بصوت مسموع، وأنا التفت١ُ صوب باب الغرفة، فكرت بأن حركتي هذه قد تصيب الفأر الكريه بالذعر ولو للحظة!  رميت بالسيجارة جانباً وتناولت نصف شطيرة الكبدة المتبقية، قضمت منها قضمة، عندها مدّتْ القطة البيضاء المرقطة بالأسود رأسها من حافة حاوية النفايات ، قالت مياو ، لكن بصوت ضعيف، رحنا نتبادل النظر، أنا بعيني الرماديتين وهي بعينيها الخضراوين الواسعتين،لم تكن علاقتنا طيبة جداً ! أما السبب فراجع للخيبة التي استشعرها تجاهها! يكفي مثلاً أن غرفتي تعج بالفئران اللذيذة، والتي تعتبر الغذاء المفضل لها ولأترابها على حد سواء، لكني لم أرها تصطد ولو فأراً واحداً. واصلت قضم الشطيرة ،قَفزتْ القطة عن حافة الحاوية وأخذت تقترب مني،أصدرتْ علبة البيبسي عندما سَحبتُ السدادة صوتاً جعل القطة ترتدُّ للخلف وتقف في مكانها، لكن هذا لم يمنعها من أن تقول مياو بصورة حَملتْ معنى التوسل هذه المرّة! حتما شمّتْ رائحة الكبدة، هكذا همست لنفسي. اقتطعتُ نتفة صغيرة وألقيت  بها صوبها، رحت أراقب المنظر، أحنتْ البيضاء المرقطة رأسها أولاً، لكنها ما لبثت أن حدّقتْ بي ، قبل أن تمد لسانها الوردي الصغير لتداعب قطعة الكبدة وتزدردها دفعة واحدة، أخذتْ تلعق فمها ثم مخالبها،كنت اراقبها وعلى شفتي أبتسامة سخرية . شَعرتُ بحركة أسفل قدمي، جَفلتُ قليلاً، تباً، متى وكيف وصلت بهذه السرعة؟ فكرت بأن أمنحها رفسة مجانية، لكنها راحت تتمسح بقدمي وكأني أحد احبائها! تركتها على سجيتها، أشعلتُ سيجارة ، هبت نسيمات هواء فجأة،اختضَّ لها جسمي، فأصابتني قشعريرة جعلتني ارتجف من رأسي حتى اخمص قدمي، تراجعتْ القطة للخلف، رَفعتْ رأسها وأطلقتْ في وجهي مواءً طويلاً منغماً وكأنها تقول، أنا جائعة يارجل! منحتها مزيداً من قطع الكبدة الشهية، تناسيتُ غضبي منها وقلت مع نفسي، هي أيضاً وحيدة مثلي على كل حال!كانت منحنية ومشغولة بأزدراد طعامها، أخذتُ أتأمل ظهرها المقوس، كان بوسعي عدُّ اضلاعها لو أردت. أوشكتْ علبة السجائر على النفاد حين نهضتُ عن مقعدي، شعرت ببعض الدوار وادركت بأن الفجر على وشك أن ينبلج، تخيلت الحر في غرفتي، مروحتي الهرمة، الفئران المزعجة، كان يتحتم علي رغم ذلك، أخذ قسط ولو بسيط من الراحة فغداً تبدأ مناوبتي الأسبوعية في العمل. تركت باب غرفتي مشرعاً ،وابقيتُ على النور مضاءً هو الآخر، وجدت أنه لا فائدة من إغلاق الباب، فالفئران بوسعها الدخول من أي مكان مادامت اجسادها الكريهة مرنة وضئيلة! تقلّبتُ كثيراً في سريري، كانت القطة ساكنة عند زاوية السرير المقابل لسريري! آه، رمشت بعيني، تذكرت المخلوقة التي كانت تشغل هذا السرير، تبا لها الخائنة ! لقد رَحلتْ بعد أن فَطرَتْ قلبي! حاولتُ أن أطرد عن ذهني محاولات التفكير بها، لم تكن شريكة حياتي بقدر ماكانت عدوة! أنزلتُ كلتا يدي بجانبي، فكرت بأنه لو كانت الأصابع تتكلم! سحقاً، ماذا فعلتُ بنفسي. لا أتذكر أنني نمت كثيراً، ربما ساعة أو أكثر من هذا بقليل، آه، إنه ذات الحلم يتكرّر، عيون عميقة وواسعة ، أنها تمتطي جسدي بسهولة كبيرة، تزحف من الأسفل ، يتبعها شعرها الأسود الغزير، يشعُّ وجهها الذي أعرفه جيداً، ثم تكبر ابتسامتها الماكرة، تحدّق في بعينين تومضان إثارة، تضع سبابتها عند شفتيها، تأمرني بالصمت وهي تزيح يدي عن خصرها الساخن. نفس التفاصيل لكن لا! هذه المرة ثمة إختلاف وكأن اصابعها تلك الرفيعة قد تحولتْ إلى مخالب! ينتابني بعض الخوف، تحدق في بسخرية ،تزحف اصابعها ذات المخالب على صدري، الاحق نظرتها المتوهجة باللون الجديد المائل للأخضرار ،تنحني على وجهي فيخفي شعرها الأسود الغزير كل أثرٍ لنور،تختلط ضحكتها بفحيحٍ كريه يتبعه مواء ضعيف سرعان مايشتدُّ مع ازدياد ضغط جسدها المتمكن من بطني، يجتاحني الم طفيف عذب في بدايته، تباً، أكاد اختنق! أمد يدي صوب عنقها، تتيه أصابعي في كثافة الليل الأسود المنسدل،  تتمكن  اخيراً من عنقها المرن، تنطلق آهة خافتة، يطل وجه زوجتي الخائنة وهي تتوسل أن أحرر يدي عن رقبتها ، تتصاعد حشرجة غريبة، يشتد الضغط على العنق، ثم يتراخى كل شيء!. أحدق في سقف الغرفة، يتناهى إلى سمعي أصوات منبهات السيارات من الخارج، آه، لقد طلع النهار أخيراً، أحاول إسترجاع حلم الفجر الكريه، صداع يضرب كالمطارق في رأسي،ماهذا؟ أرفع يديَّ الأثنتين للأعلى، ثمة خدوش تملأ ساعدي، خدوش رفيعة تمتد بشكل طولي متعرّج،عجباً! هذا لم يحدث في أحلامي السابقة، تحين مني التفاتة صوب السرير الآخر، أكتم آهة طويلة، فعلى أرض الغرفة ترقد القطة البيضاء المرقطة بالأسود، بأقدام مبسوطة ،وقد اندلع لسانها جانباً!!. (تمت )


بقلم /رعد الإمارة /العراق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق