الأربعاء، 4 نوفمبر 2020

حكايات اولاد الأرملة بقلم // حسين جمعة

 حكايات اولاد الأرملة-10

(لقراءة الحلقات السابقة من الكتاب أدخل صفحتي)

بعد تأسيس المحفل الكبير في إنجلترا بدأت أعداد المنتمين للماسونية في ازدياد عاصف. في عام 1725 تم انشاء محفل باريس، وفي سنة 1733 في هامبورغ وفي بوسطن الأمريكية، وفي عام 1735 في ستوكهولم ولاهاي، وفي عام 1738 في وارسو، ومن ثم انتشرت في مدن أوروبا الغربية كلها. أما في روسيا فقد انتقلت الماسونية إليها عن طريق جون فيلبسون وجون كايتون الإنجليزيين في ثلاثينات وأربعينيات القرن الثامن عشر. في عام 1750 اتحد محفل “التواضع” في بطرسبيرغ مع محفل “النجم الشمالي“ في ريغا . وفي بيلاروسيا ظهرت في موغيليف المحافل- (ثلاثة نسور) عام 1770، و(هرقل في المهد) عام 1774.وفي كل بلد من البلدان توحدت هذه المحافل في محفل كبير كما جرى في إنجلترا. وفي سنة 1731 تأسس المحفل الإيرلندي الكبير في دبلن، وفي عام 1736 تأسس المحفل الإسكتلندي الكبير في إيدنبيرغ. إنشاء المحافل الصغرى، ومن ثم الكبرى كان يتم بموافقة خطية من المحفل الأم في لندن، كي تبقى المحافل الرسمية المعترف بها في تمييزها عن احتمال وجود محافل اعتباطية عابرة غير معترف بها. أما المرحلة الأخيرة في تكوين البنية التنظيمية للماسونية، فهي إنشاء وحدات مناطقية أو مقاطعات على رأسها محافل ريفية كبرى. تأسس أول محفل روسي ريفي في بطرسبيرغ عام 1770، والمحفل الكبير برئاسة إليغين سنة 1772. هكذا، اتسم تنامي الماسونية بطابع منضبط ومنظم.

انتشرت الماسونية في العمق، إلا أنها ووفق مضمونها الطبقي ظلت منعزلة في كل مكان، بينما خصوصيات الأفراد القومية والدينية والثقافية استمر أثرها الظاهر على أشكالها وتكوينها المنظم. ظهرت فصائل كاملة من المنظومات المختلفة ظاهراً والامتثالات المتنوعة تفترق في التسمية والرأي حول نشأة الماسونية، وعدد درجات التنوير وكيفية الطقوس، وكذلك العلاقة المتناقضة بحدة بينها بخصوص الدين والكنيسة.

جاء في دراسة للباحثة الروسية ما قبل الثورة سوكولوفسكيا ما يلي: (كانت المنظومات الماسونية تتسمى على شرف البلد أو الدولة التي نشأت فيها وتطورت. وعليه، ظهرت المنظومة الإنجليزية والفرنسية والسويدية، وأحياناً كانت تسمى هذه المنظومات في ذكرى المنظم الرئيس أو صاحب الفكرة، وهناك منظومات تحت أسماء: فيسلر، سين مارتين، تسيندروف، شريدر، وميلوسينو وغيرهم. وأخيراً، منظومات (الفروسية الروحية)، (المنيرون) يعني المستنيرون، (الوردة والصليب). الوردة -رمز خلود المادة وانبعاث الطبيعة، وعمل على قوانين الطبيعة مجموعة من الورديين. الصليب- رمز الروح والنشأة الحقيقة والجدوى التي سعى بعض الورديين للوصول إليها. كما وجدت بعض التسميات لمنظومات عابرة وفق المكان الأول للاجتماع، مثل منظومة كليرمونتو.

في الوقت الحالي ثمة منظومتان رئيسيتان تتسيدان الموقف، الماسونية-الأنجلو/سكسونية، ومن أهم خصائصها المميزة – التدين، والاعتراف ب (باني الكون الأعظم)، والماسونية الفرنسية -ترفض التدين والكنيسة. كما توجد أخوية تحت اسم “حقوق الإنسان” تقبل النساء الى جانب الرجال. وفي عزلة تامة عن جميع هذه التنظيمات هناك منظمة ماسونية ذات عقلية صهيونية، وهي أخوية عالمية باسم (بناي بريت) - هذا المحفل لا يقبل سوى اليهود.

يعتبر مؤسسو وقادة أي منظومة أن منظومتهم هي الوحيدة الصحيحة، ويزعمون أن المنظومات الأخرى “مشوهة “غير صحيحة. كانت مصداقية المنظومات تتحدد بما تمتلك من عدد درجات التنوير -كلما كانت الدرجة أعلى التي يصل اليها” الأخ “فإن هذا الأخ هو الأجدر. نتج عن ذلك سلسلة تراتبات ماسونية عامودية. هذه التراتبات لم تكن تتميز بتسميات فخمة، وما كان يميزها هو التعقيد لا سيما خضوع “الأخوة” من الفئة السفلى للفئة العليا. إذا كان سلم الخدمة العسكرية الذي يضمن فاعلية قيادة الآلة الحربية المعقدة لا يصل الى عشرين درجة من الجندي الى لقب المارشال، فإن هذا العدد عند (البنائين الأحرار) يبدو قليلا، إذ وصل عدد الدرجات الى 99 درجة. في البداية دشن الماسون الإنجليز ثلاث درجات للتنوير تتماشى وحال الماسونية الفاعلة القديمة: التلميذ، الصانع والأستاذ. هذه الدرجات تمثل ماسونية يوحنا أو الماسونية الرمزية “الحمامة”، وفي المنظومة الأسكتلندية –الأندرية (من اسم راعيها القديس أندريه). اما الماسونية الرمزية وهي الجسم الغالب من حيث العدد في أي أخوية، فإن السند الماسوني لها هو القمة المتحكمة.

تأسست وفق هذه الدرجات في المحفل ثلاثة أنماط: التلمذة، المهنية والأستذة. “الأخوة” من الفئة السفلى لا يسمح لهم العبور إلى محفل الدرجات العليا للمستنيرين، في الوقت الذي يتاح لأصحاب الدرجات العليا زيارة محافل الدرجات السفلى ومراقبتها. هذا التراتب الماسوني الماكر تم تخطيطه لتمكين قيادة الماسونية المراقبة من الأعلى للأسفل، أما من الأسفل للأعلى، فإن الأخوة مهما كان مستواهم محرومين من رؤية أي شيء أو رصد أي شيء. وبهذه الطاعة العمياء للفئة الدنيا لمن يقف في أعلى الدرجات تتحقق للماسونية وحدة الإرادة والنظام الصارم.

تسمية الدرجات السفلى -كقاعدة- متساوية في كل المنظومات، مع وجود بعض الاستثناءات الأصيلة. في أخوية التنويريين، على سبيل المثال، كان التلميذ يسمى "المبتدي"، والصانع –"المطيع"، والأستاذ-"الحكيم"(مينيرفالي). لكن، أهم المخترعين في هذا الأمر، هم-الكنسيون الهيكليون. الدرجة الأولى عندهم هي -العبور، والثانية- العبور الى العبور، والثالثة-عبور العبور الى العبور، والرابعة -عبور العبور الى عبور العبور. إلا ان الماسون الإنجليز ضحكوا من مثل هذه التحايلات، ووسموها ب "المفسدة" للفن الملوكي المدهش. لكن هذا لا يغير من جوهر القضية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق