حب افتراضي
سهر يسترد ذكرياته معها.تحوم بطيفها حوله فيحوم حولها.يغازلها ويردد صدى العقل صوتها. يناجيها.كم كان يعشق سمرها مع أنه لم يقابلها. هي مجرد طيف وصوت وصورة ظل يختزنها.يبتسم يشعل سيجارته وينفث دخانها ثم يلاحقه بعينيه ليراود خيالها.لم ينم ليلتها.طال غيابها.لا يعلم شيئا عن أخبارها.كانت قد حدثته يوما عن قرب سفرها.ملعونة شبكة الهاتف تقف حاجزا بينه وبينها.يعتصره الحنين إلى سمعاها.يشتاقها.حلق بخياله عباب السماء.اعتلى.طار.عانق الفضاء.ثم انتفض كمن فاق من سكرته.وقد أدمن خمرها.لا بد من سفرة هو يوم أو يومان ثم يرجع.كانت تخامره الفكرة.لابد من قرار.لن ينتظر أكثر، فضول يدفعه نحو المجهول.يتمنى أن يستنشق نسيم موطنها.أن ينزل قريتها وتجوب قدميه طرقاتها وأزقتها.وقد تحمل إليه نسمات الربوع والحقول عطرها.امتطى الحافلة.كان واجما صامتا.يفكر...والحافلة تطوي المسافات والوقت يلتهم اللحظات ومن هنا وهناك تتسلل إلى سمعه بعض النوادر أو الضحكات التي يتداولها الركاب.أو بعض الأغاني البدوية المستوحاة من عمق الواحة.لا يذكر كم مر من وقت والحافلة تطوي الطريق.الرحلة طويلة.والفتاة التي تجلس بجانبه على المَقْعَد الذي حذوه تبدو مرهقة تمسك كتابا بين يديها تفتحه أحينا لتقرأ جملة أو أقل من الصفحة وسرعان ما تغلقه كأن شيئا ما يرهق فكرها.يسترق النظر إليها يتمنى بداخله أن يحادثها...كم طالت السفرة.يبدو مضطربا وأصابعه تفتت التَّذْكِرَة...أخرج هاتفه بحث في الأسماء المسجلة.ودون وعي كتب رسالة يلومها عن غيابها.ثم سرعان ما مسحها.ثم كتب اسمها ولم يحرك ساكنا ظل ممسكا بالهاتف في حالة شرود وذهول.مرت الدقائق وهو كمن فقد القدرة على الحركة.واعتلت ووجه الحَيْرَة.ماذا لو أعاد الاتصال بها.قد تسمعه ويسعفه الحظ بسماع صوتها.الفتاة التي بجانبه هي أيضا تمسك هاتفها وتتصل بأهلها تحادثهم تبدو منشرحة.كأنها قد استعادت بسمتها.أو أنها مبتهجة لشيء داخلها.تبادلا النظرات.نظرات صامتة مشتعلة.ماذا لو بعد أن تنهي مكالمتها.يتجرأ ويسألها أو حتى بالحديث يشغلها.قد تؤنس وحدته وتكون رفيقة سفرته ويعرف منها مالا يعرفه عن المجهول الذي ينتظره.وسرعان ما يغض ببصره عنها.يمسك بهاتفه لا بد من الجرأة ليتحرر من تذبذبه.وأخيرا طلبها وسرعان ما جاء الرد الذي لم يتمناه، محادثكم مشغول بمكالمة ثانية.زعزعت ما بداخله.رفع عينيه لتلك اللامبالية كأنه يخبئ خيبته فبادرته إلى ابتسامة* خجولة وهي لم تزل تتكلم عبر هاتفها.ابتسامة فيها الكثير من اللطف لتقول له حاول من جديد وتبعث فيه بعض من أمل.اتصل ثانية وفي نفس اللحظة رن هاتفها. .لم ينبس ببنت شِفَة.حَيْرَة بدت على وجهها. نظر إليها كمن يبحث عن إجابة في عينيها. لم تكترث له.هي تحاول أن تتصل. وهو يجدد طلبه ولا شيء يمر.تبا لهذه الشبكة.ثم ٱطلق زفرة ولم يكد يسترجع نفسه حتى رن هاتفه إنها ليلى طار قلبه والفتاة التي بجانبه تهمس ألوو حبيبي ويرد هو ألو ليلى.ويخيم السكون وتشتعل النظرات من تحت العيون.تلعثمت الألسن وضاع منها الكلام.ألوو متكررة ثنائية هذه المرة.هو وهي على بعد حضن.على قيد قبلة.احتضنها وأغمضا عينيهما وأكملا السفرة.
محمد مليك /تونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق