قصة : أحمد
في قرية صغيرة فقيرة في مواردها الطبيعية ،غنية برجالها الأشداء ،لكن الجهل عشش في عقولهم وباض وفرخ ، حتى حسبوا أنه القدر فاستسلموا له وخضعوا لسيدهم صاحب البيت الكبير والآراضي الشاسعة ...إنه بلقاضي رجل فوق الأربعين قصير القامة ذوبطن بارزأمامه ووجه مدورفي وسطه برز أنف غليظ وشفتين تملآن صحنا وعينان حادتان تلتهبان شررا لايمكن أن تنظر في وجهه إلالحظات ويرتد إليك طرفك ... وكان قد ورث عن أبيه الأرض وما عليها حتى حيطانها يخيل إليه أنها ضمن مملكته ،فهو دائما يسمع أهل القرية هذا الكلام حتى كره الناس كلامه وعجزوا عن الرد لأنهم عمال بسطاء في أرضه ،ومن يرفع صوته يجد نفسه يشحت في أزقة القرية ولا يلتفت إليه أحد ...كان كل صباح يدور على العمال ليتفقد عملهم ومهما فعلوا فلن يسمعوا منه إلا كلاما جارحا مثبطا لعزائمهم ومهددا لقوت أسرهم فلا يرفعون رؤسهم حتى شربة ماء يحرمها عليهم ...ولما يبتعد يستمرون في عملهم حتى تبدأ الشمس في الميل إلى الزوال وعند ذلك يعودون إلى بيوتهم ليتناولوا طعام الغداء وهو خبز ولبن ومن ساعفه الحظ يجد بصلا مع حبات طماطم يأكلها بشهية ويحمد الله على هذه النعمة وعند انتهاء الغداء يرتفع صوت المؤذن ينادي للصلاة جماعة فتفتح أبواب المنازل ويخرج منها رجال أنهكتهم الأعمال الشاقة في أرض بلقاضي ،وفي المسجد تجده في الصف الأول وقد تغيرت معاملته فأصبح حنين القلب يتجاوب مع الإمام في كل كلمة يقولها ويهزرأسه ويلتفت إلى الوراء حيث تلتقي عيناه بعيون عماله وكأنه يعدهم عدا وإذا تغيب أحدهم يوبخه أمام أصحابه ويتلوعلى مسامعه آية مكسرة أوحديثا مشوها ثم يهدده بالفصل إذا تغيب مرة أخرى....
كان الجميع يهابونه حتى الذين لا يعملون عنده ، فهو دائما يتأفف منهم لأنهم لا يعرفون مصلحتهم ومصلحتهم في نظره يتخلون عن أراضيهم ويعملون عنده وبذلك تبور الأرض ويشتريها برخس التراب ،هكذا كان يخطط ليمتلك المزيد من الأراضي ...إلا أن بعضهم كانوا يتمسكون بها ورغم قلة مردوديتها ، وهذا مازاد في غضبه حيث وصفهم بالجهل والحماقة ، ولم يجد من يقف أمامه ويوقفه عند حده حتى المسؤلون أخضعهم لسلطانه بأمواله وولا لسلطانه بأمواله وولائمه التي لا تنقطع وخاصة في المواسم حيث يكثر من إقامة الولائم للمسؤولين بينما هناك جيرانه يتضورون جوع
حتى المدرسة لم تسلم من تدخله حيث يتدخل في كل صغيرة وكبيرة مما جعل المعلم لا يستجيب له في بعض المرات وحتى التلاميذ انتبهوا لذلك وسألوا معلمهم سؤالا بريئا لماذا يا سيدي نراه يأتي إلى المدرسة ويأمر وينهي ، ولم يستطع المعلم أن يجيب التلاميذ ولأنه لم يجد جوابا شافيا ...إلا أن تلميذا أجاب زملاءه بعد خروجهم إلى الاستراحة فاستحسن زملاؤه إجابته قال لهم :(بلقاضي رجل صاحب المال والجاه وكل المسؤولين يأتون إليه ويأكلون ويشربون وأيضا جاهل لا يعرف حدوده ويحسب نفسه يفهم في كل شيء حتى المعلم لا يحسب له حسابا ويخاف أن يشكوه إلى المسؤولين ،ولما سألتونه لم يجبكم بالحقيقة وهي أن المعلم لايخضع لأحد إلا للمدير والمفتش... بهت التلاميذ من زميلهم وقالوا له :(و أنت من أين جاءتك هذه المعلومات؟؟) قال لهم :(بالعقل لأن بلقاضي مواطن عاد مثله مثل سكان القرية إلا أنه صاحب مال فهو يتحكم في القرية والمعلم فرد من أفرادها فيشمله بلقاضي برعايته) ،تعجب زملاؤه من ذلك و أصبحوا يحترمون زميلهم ويستشيرونه في أمورعديدة ،أما هو فلم يغتر بذلك بل أقبل على دروسه إقبال النحلة على الزهورلجمع الرحيق وصناعة العسل ،حيث نجح بتقدير جيد فرح له زملاؤه وعائلته ،ويومها قال بلقاضي : ماذا يفعل سوف يعود معلما إلى المدرسة ،ويبقى تحت رحمتي مثل معلمه؟؟) وقهقهة ضاحكا أمام الفلاحين الذين آتوا إلى منزل صاحبهم ليباركوا له نجاح ابنه..
..لم يرد عليه أحد ، ولم يهتموا به ، بل عامله صاحب البيت كضيف فقط ... كان الطفل جالسا وعيناه تلا حظان الجميع بما فيهم بلقاضي مسكين هذا الرجل يحسب نفسه فوق الجميع وهولا يساوي جناح بعوضة عند الله ،لكن الجهل يفعل بصاحبه كما يفعل العدو بعدوه ،سوف أحارب هذا الغول المعشش في نفوس أهل القرية ،ولأبين لهم الحقيقة الغائبة عن أذهانهم :أن بلقاضي قوي بهم ولا يستطيع أن يفعل شيئا لهم إذا اتحدوا وأصبحوا كتلة واحدة ،وأن يطردوا الخوف من أنفسهم وأن يجابهوه بالمطالبة بحقوقهم كاملة ،وإذا عرف عزمهم وتوحدهم فسوف يخضع لهم ،ولكن كيف العمل وأنا مازلت في نظرهم طفل صغير لا يعرف شيئا من هذه الدنيا ومازال لم يخرج من البيضة ،وهو لا يعرف كيف تكون ردة فعلهم ؟ وهل يقبلون مني لو صرحت لهم بهذه الأفكار؟ فربما يضحكون منها وربما يتهموني بالجنون ،نعم الجنون من يقف وحده أمام العواصف ويجابهها ... سأتسلح بالعلم ، سأتابع دراستي في المدينة وأعرف اشياء جديدة ربما تنور لي طريقي ،وسأبد أ بتعليم الكبارالقراءة والكتابة في كل عطلة وفي الصيف أجمعهم وأحدثهم عن العلم ومنافعه والجهل ومضاره ...لابد من الصبر أمام المشاكل والعراقيل التي ستوضع أمامي ، وسوف أبدأبنفسي فأعلمها القناعة والتواضع والحزم والعزم على المضي في طريقي ...وقف الطفل أمام دهشة الحاضرين وأنصتوا له بقلوبهم قبل عقولهم قال لهم أشكركم على حضوركم لتهنيئة أبي بنجاحي ،وإني أعاهدكم على أن أبقى وفيا لقريتي ولأهلها ،وسوف أبذل كل جهد لأتحصل على العلم لأنفع به قريتي ولابد من مساعدتي على تحقيق ما سوف أعمله وشكرا لكم مرة أخرى) وسارت همهمة في الحاضرين ومنهم بلقاضي الذي انتفخ ونفش ريشه مثل ديك رومي ،وأراد أن يتكلم إلا أن الجماعة وقفت تريد الانصراف وهم يقولون :(بارك الله فيك)
أصبح بلقاضي في حالة غضب من الشاب الذي سيفتح عليه العيون المغمضة والتي بدأت في الا ستيقاظ منذ أمس ،والحق علي لأني تركت المعلم يفعل ما يحلو له رغم أنني دائما أزوره وأسأله عن الأخبار ،لكن أمر هذا الولد لم يخبرني به ولوكان أخبرني لدبرت الأمر ومنعته من اجتياز الامتحان ، وحسبت أن الأمر يكون مثل سابقيه يجوزون الامتحان ولا ينجح أحد من المتقدمين ،وفي النهاية يطردون من المدرسة لكبر سنهم ولا يجدون إلا منزل بلقاضي مدرستهم الثانية يتعلمون أصول الرعي وتنظيف الزرائب وتقديم العلف إلى الماشية وترويض الخيول مقابل دريهمات بخسة ...هذا ما كان يجول في نفس بلقاضي ،وهو يهم باستقبال يوم جديد ، حتى سمع دقا على بابه ولم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب منه فنهض متأففا من هذا الطارق وقام ليفتح الباب ،وإذا المفاجأة تعقد لسانه فتنقلب سحنته وينبسط وجهه ويصنع ابتسامة على شفتيه وهو يرحب بالقادم ،وفي نفسه كره له ولكن السياسة تستلزم ذلك...إنه الشاب الذي نجح وسوف ينتقل الى المدينة لكي يتابع دراسته ،ويالها من مقابلة لم يسع لها بلقاضي إوإنما القدر أتى به ...رحب به ترحيبا كبيرا ولما جلس وقدم له قهوة سأله بلقاضي : ماسبب زيارتك في هذا الصباح؟؟ تبسم أحمد وهويقول :عمي بلقاضي تعرف حالتنا المادية وأنا في عطلة وأحتاج إلى مصاريف في العام المقبل للدراسة فأردت أن أبحث عن عمل بسيط لأجنب أبي المتاعب ،ولأتمرن على العمل قهل تقبلني عاملا عندك؟؟ نظر إليه بلقاضي وفتل شاربيه وابتسم ابتسامة رضا وقال :يابني والله لاأدري ماذا أقول لك لقد فاجأتني بطلبك ،ولكن سأحاول لأجد لك عملا مناسبا لك ولسنك ،فأنت لا تستطيع العمل في الحقل ولكن هناك عمل بسيط تسوق البقرات إلى الماء ثم تعود بهم وتنظف لهم المكان وتقدم لهم العلف عمل بسيط جد ولا يتعب ...شكره أحمد على ذلك ،ولكن بلقاضي وبصوت مرتفع وبلهجة تهديد قال له :إياك وكثرة الكلام مع العمال لا تتدخل فيما لا يعنيك...
.طبق أحمد التعليمات الصادرة عن بلقاضي ،وداوم عليها ليعلمه أنه إنسان فاهم ومطيع في تنفيذ ما اتفق عليه ...كان يخرج صباحا من بيته ويتجه إلى زريبة الأبقار حيث يتفقدهم واحدة واحدة ،ثم يخرجهم ويسوقهم إلى الوادي القريب منهم ويمهلهم حتى يرتووا ويعود بهم إلى الزريبة ،ويقوم بتوزيع العلف بينهم ثم يتناول المكنسة ويزيح الفضلات ويجمعها وينقلها إلى مكانها المخصص لتجف وتستعمل كوقود أو أسمدة للأرض ،عمل بسيط وغير مجهد بالنسبة لسنه وبنيته ،ثم يعود إلى بيته حيث لا يلتقي بأحد من العمال ... استمر أحمد في عمله وأصبح بينه وبين الأبقار ألفة ما إن يدخل الزريبة حتى ترفع الأبقار رؤسها وتنتظم في خط واحد إلى الوادي فتشرب وتعود سالكة طريقا واحدا حتى تصل إلى زريبتها حيث ينتظرها العلف ... لكن بلقاضي لم يعجبه عمل أحمد الهادئ ،بل يريد منه عمل شاق يرهق بدنه الضعيف فيتركه ، فكان يتدخل في كل يوم ويقدم ملاحظته في كيفية تقديم العلف وعدم بعثرته هنا وهناك وأن الأوساخ تملأ المكان وأن الأبقار لم تأخذ كفايتها من الماء ...وأحمد يسمع هذا الكلام ويعرف أنه غير حقيقي والمراد منه أن يترك العمل ويعود إلى البطالة مثل الشباب الآخرين ، ويصبح حجة عليه ، واستمر بلقاضي في هذا الكلام حتى عندما يلتقي مع العمال وكأنه يقول لهم : (لا يصلح حتى لرعي البقر) . كان أحمد كل يوم يكتشف شيئا جديدا في عمله ،عرف أن بلقاضي يأخذ الأرض من أصحابها إذا عجزوا عن سداد ديونهم ، وأنه يستغل العمال ويأكل حقوقهم ولا يعطيهم الأجر الكامل ،وعندرجوعهم يراقبهم وأحيانا يفتشهم ،و كأنهم يتهمهم بالسرقة ، وعرف أيضا أنه يأخد البواكر من الفواكه ويحملها إلى المسؤولين في المدينة ويحرم على العمال أن يأكلوا منها وإذا فسدت يعطيها للحيوان ... كل هذا كان أحمد يسجله في كراس خاص عندما يعود إلى بيته ... يتبع
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق