الأحد، 3 يناير 2021

تناص العتبات العنوانية داخليا / سيميائية النصّ القناع بقلم // باسم عبد الكريم الفضلي العراقي

 { تناص العتبات العنوانية داخليا / سيميائية النصّ القناع


..}

ـ دراسة تحليلية لقصيدة "سقراط يموتُ واقفًا" للشاعرالعراقي "عبد الجبار الفياض "ـ

(النص) :

(( يبابٌ

يرقبُ غيمةً في ساعةِ طَلْق…

أقزامٌ

يقتسمون هواءَ المدينة…

تموجُ بما لم تألفْهُ من قبلُ أروقةُ المشائين…

من أينَ جاءَ هذا الدّميمُ بأتعسِ ما رأتْ عيونُ النّهار؟

يقلِبُ ما قد غارَ في جماجمَ مذ التصقتْ بها الأسماء…

قيّدوه…

إنًّهُ يُلقي الحَصى في بحيرةٍ راكدة…

يُفسدُ علينا ما نحنُ فيه…

لا تدَعوا لهُ قدَماً في مجلس

فأنفاسُهُ غيرُ الأنفاس…

إنَّهُ ينتصرُ لدمامتِه

بخرقِ ما نراهُ جمالاً!

……………

قُضاةَ القصر

بيدِكم تُستَلُّ من تحتِ لذتِها الخطيئة

يُدارُ دولابُ القَرارِ لبوصلةِ الشّرفةِ المُنيفة!

حيثُ الظّلامُ يصنعُ توابيتَ بلا أسماء…

مالكم

علقتُم الكلمةَ من ثدييْها

حتى تساقطَ لحمُها في أفواهِ السّفهاء!

كأنَّ الأمسَ روحٌ مقدسةٌ لا تُمسّ

تُحرقُ حولَها الفصولُ الأربعةُ بخوراً بترتيلةِ الوَلاء…

خذوا هذهِ التي أتنفسُ بها

لكنَّكم لنْ تأخذوا ما باحتْ بهِ لهذا الكون…

تبّاً لعصرٍ

يُخنقُ على الأشهادِ شاهدُه…

………….

لم يعلُ الموتُ قامتَهُ القصيرة

اصطحبَهُ بثباتِ قِممٍ

يرتقيها

لكنَّهُ

يظلُّ بجوارِها مملوكاً…

يَسرُّهُ:

لا يليقُ بعظمتِكَ أنْ تكونَ تافهاً إلى هذا الحدّ…

بئسكَ أنْ تُسكبَ سُمّاً في قعبٍ من فخار…

أغلقَ عينيْه…

القابعون فوقَ التّل

ليسَ لهم أنْ يقتربوا من حافرِ بَغل…

ليتَّهم يغادرون خوفَهم قليلاً

ليروْا أنَّ الحرَّ حينَ يموت

يُكفَّنُ بورقِ الشّمس !

صرخةُ الأمواتِ

تسمعُها إذنُ الطّغاةِ فقط!

…………

السُّمُّ

يرسمُ لوحةً مفتوحةَ الأبعادِ

تُرى بعينِ كُلِّ العصور…

ليسَ كوجهِ أثينا وجهٌ

تغادرُهُ كُلُّ الألوان جليداً أسود…

رجعتِ الشّمسُ إلى بيتِها بحفنةٍ من حزن…

كيفَ يُقشطُ ندمٌ تخثّرَ في حنايا مُعتمة؟

لاتَ حينَ نَدم

فلا يُغفرُ لسهمٍ خرقَ حنجرةً

هتفتْ لانسانيّةِ الإنسان! ))

………………………

( الدراسة ) :

لما كنت لا أقول بانغلاقية النص، أو موت مؤلفه بعد فراغه من كتابته، فقد انسقت وراء مابعثته في ذاكرتي بنية عتبة هذا النص العنوانية (سقراط يموت واقفاً) الموحية بإنسانية الثيمة، من تداعيات قرائية لبعض آثار الكاتب الشعرية التي اطلعت عليها فإذاي أخلص إلى أنه قام بتناص داخلي، بين هذه العتبة، وعتبة أخرى موازية لها تركيبياً ودلالياً بعنوان (السياب يموت غدا) تعود لنص مخصوص الثيمة، كان الشاعر قد كتبه سابقاً، لتتشكل من هذا التناص ملامح نص غائب يشي بالمقاصد الحقيقية التي يضمرها ذلك النص السقراطي، الذي سنشتغل على التعرف عليه في نهاية دراستنا، ويتمظهر هذا التوازي العتباتي سيميائياً في عدة مستويات هي:

1 – مستوى البنية التركيبية لجملتيهما المتوازيتين فيما يلي:

– تماثلهما في الثبوت والديمومة والاستقرار، فكلتاهما اسميتان.

– تشابه عناصر بناء الجملتين في سياقهما التعبيري، عددياً/ ثلاث اشارات، تسلسلياً وتراتيبياً/ تجاورياً (اشغالها ذات الموقع في الجملة)، وكما في هذه المقاربة الإسنادية لهما:

إشارة إسمية مسند إليها (سقراط/ السياب) + إشارة فعلية مسند/ يموت + الإشارة (واقفاً/ غداً) إشارة قيدية تركيبية (القيود: إشارات تحدد معنى الجملة) مع وجود (استبدال) هنا.

– تماثل البنية الصوتية للإشارتين البؤرويتين (سقراط/ السياب)، على مستوى الوزن الإيقاعي، وأصوات حروفهما الداخلية، كما يلي:

– وزنهما الإيقاعي:

سقراطُ / سيّابُ (بعد حذف ” ال” التعريف كونها مزيدة):

كتابتهما عروضياً: سُقْرَاطُو / سَيْيَابُو ( فك التشديد )

تقطيعهما : متحرك/ ساكن/ متحرك/ ساكن/ متحرك/ ساكن

الوزن: مفعولن

– أصوات حروفهما الداخلية:

سقراط ………: مهموس/ مجهور/ مجهور/ مد/ مجهور

سيّاب/ سيياب : مهموس/ مجهور/ مجهور/ مد/ مجهور

2– مستوى البنيتين النحوية والزمانية:

تطابقت الإشارتان البؤرويتان (سقراط/ السياب) في نوع التعريف/ اسمان علمان، والموقع الإعرابي/ كلاهما مبتدأ مرفوع، خبرهما ذات الجملة الفعلية/ يموت، ومضارعية الفعل دلالة على استمرارية أثره في الوقت الحاضر مع انفتاحه على المستقبل.

3 – مستوى البنيتين الصرفية والدلالية:

– سقراط: في سياقها المقامي/ تاريخ الفلسفة:

بتكثيف رمزية الإشارة سقراط الفكرية واشتغالاته الفلسفية: معارض لحكومة الطغاة والنبلاء الأثينية (نسبة إلى أثينا) وديمقراطيتها المنحرفة، بثوريته الهادفة إلى تحرير العقل من الجهل وهيمنة الفكر اللاهوتي الغيبي، فهما عنده سبب الآثام والرذائل، وأن الحقيقة وتحقيق العدالة والفضيلة إنما تكون بالمعرفة والتخلي عن ماقبليات الأعراف والتقاليد البالية، وكان (الجدل) سلاحه المبتكر والناجع في ميادين حواراته مع خصومه وحلقات دروسه يهد ويبني به الأفكار والمعتقدات الجمعية، حتى صار أكبر خطر يهدد شمولية عرش السلطة الحاكمة، ومن تحالف معها من نبلاء ورجال دين، فاتهمته بالهرطقة وإفساد عقول الشباب والسخرية من قدسية الآلهة فحكمت عليه بالإعدام بتناول السم.

– الإشارة يموت: دالة فعلية، مخادعة مضللة في حقيقة داليتها، فحقيقة البنية الصرفية لفعلها الثلاثي المجرد مبنية للمجهول: مِيتَ، لا مبنية للمعلوم/ مات، لأنه من الأفعال المبنية لغير فاعل (على غرار: أُغميَ عليه، جُنَّ، وُلِدَ، أُعدِم ..الخ )، وهذا يعني أن هناك فاعلاً حقيقياً متوارياً هو من يقررالموت ويقدّره على (آخر ظاهر) في الجملة ظهوراً مجازياً، فحين نقول مات فلانُ بالسيف: ففاعل وعلة الأماتة الحقيقي هنا هو السيف الذي سلب حياة (فلان) الذي توهمنا الفاعلية فيه لوروده مرفوعاً بعد الفعل (مات)، وإسناد فعل الموت إلى مسند إليه متوهّم ماهو إلا تساند غير حقيقي تآلفه الناس لكثرة استعماله، وهذا الفاعل المتوارى، أما أن يكون عاقلاً (شخص ما/ .الآمر بالإماتة)، أوغيرعاقل (مرض ، حادث..الخ )، فما من كائن حي يملك أن يتحكم بفعل (الموت) تقديراً أو تقريراً، إلا بأن يخرجه من لزوميته، وتعديته بإحدى الصيغ الصرفية المعروفة كالهمزة الأولية، فنقول مثلاً: أماتَ الجفافُ الزرعَ ، يُميتُ) وهنا لابد ان تغدو جملة العنوان/ سقراط يُميتُ نفسَه واقفا ) وفي هذه الصياغة ضعف حبكة، فإماتة النفس/ كمدلول، يدل عليه معجمياً الدال/ انتحر، فتكون الصياغة اللغوية الأنسب/ سقراط ينتحر واقفاً، لكن استخدام الشاعر لصيغة المبني للمعلوم (يموت) عنوانيا، انما كان بقصدية الإيحاء أن سقراط هو من قدّر الموت على نفسه بشمم (واقفاً) حيث قام الشاعرهنا بالتناص مع قصدية واقعة الموت السقراطي (تناول سقراط السم المميت، رغم ما أتاحه له طلابه وأنصاره من أسباب الهروب من سجنه، قاصداً تأكيد على أن الأفكار السامية تستحق الاستشهاد دونها).

أما عتبة عنوان النص المتناص معه (السياب يموت غداً): فهي ذات إشارات متعارضة ظاهرياً، فالسياب كدال، اشارة لها مدلولان:

ـ إحدهما لغوي: لقب إنسان (بدرشاكر)، دميم قبيح الخلقة، مات بايولوجياً (غياب نهائي لوظائفه الجسمانية)، وغادر الحياة (الغياب الجسدي)، منذ أكثرمن خمسة عقود خلت، والإشارة الظرفية المستقبلية (غداً) تتعارض مع هذا المعنى زمانياً.

ـ والآخر سياقي المقام: شاعر مبدع مجدد (أحدث ثورة أدبية بابتكاره الشعرالحر) متعارض مع طغاة الحكام، له رمزية و قيمة انسانية عابرة للزمن (شاعر رساليّ متجدد الحضور)، وبالتالي تخرج الإشارة (يموت)، من دلالتها التوقُّفية بايولوجياً للأجهزة العضوية للكائن الحي، وانتهاء زمنه المعاش)، الى رمزيتها الايحائية التصوُّرية (الموت المعنوي/ تغييب/ محو الأثر)، وهو هنا موت مؤجل بدلالة (غداً)، إيماءة إيحائية، بوجود إرادةٍ ما قضت بانقبار وإمّحاء آثار الرمزية السيابية، كقيمة (إنساشاعرية) وطنية ميتا زمانية، من الذاكرة والحياة.

(الثقافكرية) العراقية، وهي إرادة (آخر) نافذ القرار سلطوياً (فهو وحده من يقرر مصائر الآخرين) ومؤدلجاً ظلامياً (بدلالة قراره الإفنائي لآثار تلك الرمزية التحررية التنويرية)، شمولياً (لأنه لايتقبل نقيضه وجودياً).

بذا يتحقق التوازي بين الإشارتين (يموت) في العنوانين المذكورين، في تقابل إرادة (الأنا) السقراطية، وإرادة الآخر (الهو) المار ذكره، كما أن كلتي الإشارتين متعارضتا الدلالة:

دلالة الأولى/ موت جسدي

والثانية/ موت معنوي.

بذا فإن التوازي (السُّقْراسيابي) على المستوى المعنوي المقامي يتمظهر كفكر حر إنساني الثورة/ خلق الحياة، مقابل قداسة سلطة شمولية مؤدلجة/ وأد الحياة.

والمقاربة التأويلية لهذا التقابل:

الموت (السقراسيابي) محض وهم يشيعه أعداء الإنسان لسلبه إرادته بالتحرر من نير فكرهم الظلامي، فمن يصنع الحياة يُخلد في الذاكرة الإنسانية، على الضد ممن يئدونها ويفرغونها من معناها، فستُمحى آثارهم من صفحات الزمن خلا السوداء منها، ويطويهم النسيان.

نخلص من تحليلنا لمستويات التوازي بين العتبتين أعلاه، الذي قارب التماثل بين مركبات بنيتي جملتيهما أن يكون تطابقاً، أن الشاعر تقصد التناص بينهما، ليبعث رسالة خفية مفادها أن النص الحقيقي مغيًَّبٌ تحت سطح النص السقراطي (القناع)، كآلية (اتقائية) وقائية تصيب بعمى الألوان عيون الرقيب السلطوي المتلصصة على ما بين سطور كل أثر مكتوب، فتلقي القبض على كل حرف أو إشارة تشم فيهما رائحة تمرد أو تتوهم تلميحاً بانتقادٍ أو مسٍّ بجلال المؤسسة الحاكمة، مما سيعود عليه (أي كاتب النص المارق) بعظيم الأذى وفادح الخسران.

ولما كان متن النص يفسر ويوضح دلالات العتبة العنوانية ويجيب عمّا تثيره من أسئلة كما يذهب (علم العنونة)، لذا فإن التناص بين عتبتي النصين المذكورين، سيكون له تماثلاته المعنوية في الفضاء التعبيري بلْهَ ثيمة النص السقراطي، حتى ليصح دلالياً تأويل إشاراته المحورية وثيمة مقاطعه، بما يتسق مكزمانيا مع الهم السيابي/ العراقي الذي مازال مستمراً حتى اليوم، ًذلك الهم الذي بسببه يسعى (الآخر المؤسساتي) الذي عدَّه خطراً محدقاً بشمولية سلطته، إلى قتل/ إماتة، آثاره في الذات العراقية الواعية ً، وهذه التماثلات والتأويل هما ما انتجا النص الغائب، الذي ضمنه الشاعر حقيقة فكرته السيابية (رمزية الهم الوطني في الذات الواعية النازعة للثورة) بعد أن كساه جلباباً سقراطياً تحاشياً للرقيب كما أسلفت ويتجلى هذا التماثل (لن أشير للمقاطع السقراطية التلازم دلالياً فهي ذات قصدية قِناعية حسب) في الإشارات والثِّيَم المقطعية التالية:

– الدميم/ (من أينَ جاءَ هذا الدّميمُ بأتعسِ ما رأتْ عيونُ النّهار؟): الدمامة صفة خَلقية (سُقراسيابية) مشتركة بينهما/ توازٍ شكلي متماثل

– الثورة السقراطية على الجهل (يقلِبُ ما قد غارَ في جماجمَ مذ التصقتْ بها الأسماء)، وإثارة وعي الناس وحملهم على كسر جمودية التفكير(إنًّهُ يُلقي الحَصى في بحيرةٍ راكدة) والتمرد على قديم الاحكام والقياسات الفكرية والجمالية (بخرقِ ما نراهُ جمالاً!)، من خلال اتيانه (بالجدل) كآلية هد وبناء للأفكار، توازي الثورية السيابية في يسارية معارضته للحكم الشمولي، وثورته الشعرية على قيود العروض وإعلانه ولادة الشعر الحر.

– تماثل ثيم المقاطع السقراطية وقهرية الآخر المقابل لرمزية الهم السيابي:

أ- عصمة الجور:

(قضاةَ القصر

بيدِكم تُستَلُّ من تحتِ لذتِها الخطيئة

يُدارُ دولابُ القَرارِ لبوصلةِ الشّرفةِ المُنيفة!

حيثُ الظّلامُ يصنعُ توابيتَ بلا أسماء..).

ب – تغييب الوعي بإسم المقدس:

(مالكم

علقتُم الكلمةَ من ثدييْها

حتى تساقطَ لحمُها في أفواهِ السّفهاء !

كأنَّ الأمسَ روحٌ مقدسةٌ لا تُمسّ

تُحرقُ حولَها الفصولُ الأربعةُ بخوراً بترتيلةِ الوَلاء…)

ت – افناء الضديد:

(خذوا هذهِ التي أتنفسُ بها

لكنَّكم لنْ تأخذوا ما باحتْ بهِ لهذا الكون…

تبّاً لعصرٍ

يُخنقُ على الأشهادِ شاهدُه…

………..

ث – خلود الفكر الثوري:

(لم يعلُ الموتُ قامتَهُ القصيرة

…………….

يَسرُّهُ :

لا يليقُ بعظمتِكَ أنْ تكونَ تافهاً إلى هذا الحدّ…

…………..

القابعون فوقَ التّل

ليسَ لهم أنْ يقتربوا من حافرِ بَغل . . .

ليتَّهم يغادرون خوفَهم قليلاً

ليروْا أنَّ الحرَّ حينَ يموت

يُكفَّنُ بورقِ الشّمس !

صرخةُ الأمواتِ

تسمعُها إذنُ الطّغاةِ فقط!)

…………..

جـ – جريمة المقابل للفكر الحر بحق رموزه لن يمحوها الزمن:

( لاتَ حينَ نَدم

فلا يُغفرُ لسهمٍ خرقَ حنجرةً

هتفتْ لانسانيّةِ الإنسان!)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ باسم الفضلي العراقي _

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق