قصة قصيرة عن بقلمي /أحمد محمد السيد رفاعي
أناالباكي علي الأطلال
بتلك الكلمات بدأ مخلص حديثه مع زملاء الغربة في إحدي الدول العربية عندما جلسوا يتجاذبون أطراف الحديث حيث كان مخلص معلما لمادة الرياضيات بإحدي مدارسها
وعندما أراد ان يصف نفسه قال هذه الجملة
انا الباكي علي الأطلال حيث أخذ الجميع ينظرون اليه ولولا انهم يعرفونه جيدا ويعلمون رجاحة عقله لظنوا انه اصابه الخرف واخذوا ينظرون لبعضهم البعض وتجمعهم في النهاية نظرة واحدة لمخلص ينتظرون ماذا سيقول بعد ذلك
هل سيشرح البيت الذي القاه ام انه سيواصل حديثه عن نفسه ولكن المفاجأة انه ظل صامتا وأخذت الدموع تنهمر من عينيه نعم تنهمر الدموع كأنها نهرا وكأنه خبأها طوال هذه السنوات ليسكبها اليوم امامهم
وبعد ذلك لم يستطع ان يكمل حديثا فأخذ احدهم يتحدث ويضمن احاديثه بعض النكات ليخرجهم مما هم فيه
وبالتحديد مخلص ولكنه لم ينجح في ذلك حيث ذهب مخلص الي غرفته باكيا كما كان
لم تستطع نكات صاحبه ان توقفه بل وكانها زادته حزنا حيث انه بتلك اللحظات لم يكن معهم بل كان معهم فقط جسدا ولكن روحه كانت في مكان بعيد
لا يعلمه سوي هو فقط
وذهب الجميع للنوم ودخل مخلص حجرته وهنا لم يتركه صديقه راضي وحيدا بل ذهب خلفه ليعلم ما اصاب صديقه
وهنا دخل راضي واغلق الباب خلفه واخذ يتحدث مع صديقه بكلمات من هنا وهناك وحكايات عن نفسه وعن حبه القديم وعن زوجته واوالده
ولكن كل هذا لا يجدي
فلا فائدة مما يقول فمخلص لايزال حزينا كما هو
حينها هم راضي بالانصراف ولكن مخلص اجلسه
هنا زال استغراب راضي وعلم ان دموع مخلص من قلبه وليست من عينيه لأنها لا تنقطع وذلك لأن جروح القلب لا تبرأ ابدا وهنا ادخل مخلص يده بحقيبة بجواره واخرج ورقة قديمة
عليها من غبار الزمن الكثير والكثير ويبدو انها لم تقرأ من اسابيع
بل شهور بل ان شئت فقل من عدة سنوات واعطاها لراضي ليقرأها هنا استشعر راضي الحرج ولكنه لم يستطع ان يعتذر فهو في حيرة من امره هل يقرأها ويقحم نفسه في اسرار ربما صديقه اطلعه عليها لكثرة سؤاله
او يقرأها ليعرف ما بصديقه من ضيق لعله يستطيع ان يخفف عنه
ومع اصرار مخلص بدأ راضي بقراءتها
بدأ يقرأها علي استحياء ولكن مخلص طلب منه ان يرفع صوته ويقرأها كما لو كان هو من كتبها فهو يعلم دقة مخلص في القراءة لكونه معلما للغة العربية التي يعمل بها ويعلم انه سيقرأها كما كتبت ويعبر عما بداخله بصوته الجميل ودرايته بأصول وقواعد اللغة العربية
أخذ راضي يقرأها وعلم من مطلعها انها من امرأة ونظر بدافع الفضول الي اسفل الورقة ولكنه لم يجد توقيعا فبدأ يقرأ)
لقد ذهبت بايامك وذكرياتك لقد ذهبت بال رجعة لقد ذهبت وذهبت معك امالي وطموحاتي لقد تركتني وحيدة ابحث عنك في كل مكان وال اجدك لقد تركتني عامدا متعمدا دون استئذان ذهبت ولم تعد لقد انتظرتك كثيرا لقد بكيت علي اطاللك بكيت ليال طوال لماذا تلومني الآن اتظن انني سأنتظرك حتي الممات الم تسال نفسك يوما لماذا لم اعد حتي اطيق النظر اليك لماذا لم تعد منقذي من عالم الضياع الم تسال نفسك يوما لماذا اصبحنا
كالغرباء الم تتذكر عهد الهوي بيننا الم تتذكر الأشعار الم تتذكر قصص العشاق التي قرأناها سويا رميت كل هذا وذهبت معتقدا انني ساظل في انتظارك ابكي علي اطاللك انك حتي لم تنطق بكلمة واحدة قبل ان ترحل خنت حتي ذكرياتنا نعم لم اعد اطيق حتي النظر اليك
هنا توقف راضي عن القراءة لا لشئ ولكن لانتهاء الرسالة واخذ يسأل مخلص لماذا كل هذا وماذا فعلت بها فلم يتحدث مخلص ولكنه ايضا اخرج ورقة اخري واعطاها لراضي كي يقرأها ولكن هذه المرة ليست ورقة بل عدة اوراق معطرة مكتوب اولها عنوانا رائعا زهرة النرجس
ويعلم راضي بذكائه اولا انها قصة كتبها مخلص في محبوبته
فأخذ يقرأ ووجد بها وسط غابات مترامية الأطراف من سعتها لا تستطيع عينيك ان تحدد ما بها اال اذا غصت فيها ولكنك لن تستطيع
الغوص بها حاولت جاهدا ان تدخلها لتستمتع بما فيها
ان عشق الزهور لا يزال يداعبك فقد كنت قديما ترعاها ولكنك هذه المرة دخلتها واخذت تنظر وتنظر حتي وقعت عيناك علي زهرة من زهور النرجس
انها زهرة جميلة فاتنة ال تستيع عيناك تحمل جمالها رائحتها زكية زرعت بعناية فائقة راعي من زرعها ان يجعلها وجيدة ليبعدها عن باقي الزهور لعلمه انها ستكون اجمل زهرة علي وجه الأرض
هل ستظل خائفا من الاقتراب منها ام انك ستقطفها ان خوفك من االقتراب من الزهور يجعلك دائم الابتعاد عنها وما سبب خوفك هل خائف ممن زرعها ام من ماذا ليس خوفا ولكنه احترام وتقديرا لمن زرعها ووضعها بهذا المكان
ان هذه الزهرة ما هي الا تحفة خلقها هللا عز وجل ووهبها الجمال والرائحة الذكية وجعلها لا تقبل علي احدولكن الجميع يقبل عليها ماذا يدور بذهنك انها ال تعطي الرائحة فقط بل وكأنها تنتظر من يقطفها تنتظر من تعطيه جمالها هل تستطيع عيناك ان تقبل عليها ام ان عينيك اصابها الضعف مما رأته سابقا
ام انك تظن انها لن تقبل عليك
ان نظرك لا يزال سليما بدليل رؤيتك لتلك الزهرة ام انك تخاف الشوك حولها ام انك دائم البكاء علي زهرة سابقة وال تريد ان تجدد بكاءك يالها من زهرة فاتنة ياله من شوق دام كثيرا لمثل هذه الزهور انك دائم الابتعاد عن الزهور لأنك ما زلت تتذكر تلك الزهرة السابقة والتي جذبتك برائحتها وتركتها لغيرك يقطفها انك ال زلت تتذكر رائحتها الجميلة
وهنا توقف راضي عن القراءة حيث انتهت الرسالة وهنا وبعد سؤال راضي لمخلص علم
انه مخلص كتبها لحبيبته هدية في عيد ميلادها ولكن مخلص لم يجب علي سؤال راضي لماذا تركتها ولماذا كتبت لك الرسالة هناك رسالة مفقودة
فقرأمخلص كل هذه الأسئلة في عين راضي فاخرج الرسالة الأولى
واعطاها لراضي كي يقرأها فهذه الرسالة من مخلص لحبيبته والتي ردت عليها محبوبته بعد ذلك
وجد فيها لم تعد تتذكرني لم تعد تهواني لم اعد منقذها من عالم الضياع لم اعد بخاطرها لم اعد طوق النجاة لها لم اعد الفارس الذي طالما حلمت به
لم تعد تنتظرني علي سطح منزلها لتراني وانا انظر اليها لقد كانت في قمة السعادة حين كنت اسير بجانبها لم اعد نذار الذي قال فيها اجمل الكلمات لم اعد كاظم الذي اسمعها اعذب االلحان اجمل الكلمات
هنا علم راضي انها الرسالة الأولي ولكنه لم يجد جوابا لسؤاله لماذا تركتها يا صديقي وما الذي اتي بتلك الرسالة لك وانت مرسلها واجابة علي السؤال الأول لماذا تركتها
فاخبره راضي عن أجابه مخلص ان هذه الرسالة كيف وصلت اليك اجابه مخلص ان محبوبته قد ماتت وان هذه الرسائل ارسلتها لهم صديقتهما بعد وفاة محبوبته
هنا لم يتمالك راضي دموعه واخذ يبكي ويبكي وطال بكاءهما حتي سأله لماذا تركتها وهل تركك لها كان سببا في وفاتها
انتقل هنا تعاطف راضي الي محبوبة صديقه واراد ان يعلم لماذا تركها مخلص والح في السؤال حتي اجابه مخلص بنفس الطريقة
اخر خطاب ارسله مخلص لمحبوبته اخذه راضي بسرعة البرق وقرأ فيه تركتك وتركت
معك قلبي الذي لم يعد ينبض بعد رحيلي عنك تركتك وابقيت لنفسي الدموع والعذاب
تركتك وتركت حياتي معك تركتك وتركت كتاباتي واشعاري
تركتك واصبحت ممزقا بال هوية تركتك مضحيا بحلمي الوحيد بالحياة وهو ان تكوني معي ولككني لم اكن حينها املك شيئا سوي الحب فهل كان هذا كافيا تركتك ورحلت وما زلت ابحث عنك في كل مكان اذهب اليه
ما زلت اشم رائحتك ما زلت اتذكر ضحكتك الجميلة التي طالما عشقتها ما زلت ارسم وجهك في كل مكان اذهب اليه ما زلت قلبي الذي احيا
ّ
به سأذكرك دائما وساظل باكيا علي اطاللك
وانتهي الخطاب هنا توقف راضي فقد علم كل شئ علم ان الفقر سبب الهجر
واجاب مخلص عن جميع االسئلة دن ان ينطق سوي ببعض الكلمات هنا خرج راضي من
حجرة مخلص لا يستطيع الكلام ليرجع بعدها ويجد مخلص تائها في النوم فتعجب كيف نام صاحب هذه القصة
هنا اخذ راضي القلم واخذ يكتب ويدون قصة بعنوان الباكي علي الأطلال ليذكر كل ما قرأ مغيرا اسماء الشخصيات
واخذ يكتب ويكتب ولكنه توقف عند النهايه فلم يعرف كيف سينهيها
فهو يعرف مصير البطلة ولكن ماذا يقول عن البطل
وجاء الصباح واخذ راضي يوقظ مخلص للذهاب الي المدرسة التي يعملون بها ولكن مخلص لا يجيب
هنا نادي راضي زملاءهم بالسكن ولكنه أيضا لا يجيب
وبعد استدعاء الطبيب علموا انه مخلص قد فارق الحياة مات مخلص وانتهت حكايته مات وحيدا في بلاد الغربة مات لأن قلبه لم يتحمل
مات مخلص وانتهت الحكايه هنا وجد راضي نهاية القصة ولكنه لم يستطع ان يكتبها
وبدلا من ان يمسك القلم ليكتب
امسك الورق ومزقه ليس حزنا فقط علي صاحبه
ولكنه وجد ورقة في يد صاحبه مكتوب فيها
ما بحت لك به اجعله سرا ولا تطلع عليه احدا ووجد كلماته الأخيرة انا الباكي علي الأطلال والأطلال لا تبك علي احد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق