الاثنين، 8 فبراير 2021

محراب عينيك بقلم//صفاء حسين العجماوى

 #محراب_عينيكِ

#صفاء_حسين_العجماوي 

-٨-

خصلات شعر قصيرة مموجة سوداء أختلطت بأخرى ثلجية تتراقص مع نسيم ليلة غاب قمرها، وأنار ظلمة سمائها نجوم نثرت، كدقيق يعبث به رضيع تعلم كيف يقبض ويبسط كفه بمرح. أضفت تلك الخصلات الرمادية المجمل عشر أعوام على الأقل فوق عمر صاحبها الشاب الذي يفخر بأن كل شعرة تبدل سوادها ببياضها كان في سبيل مملكته، لذلك أستحق لقب ثيو سيد فرسان قيشو. لاح شبح ابتسامة على شفتيه الصموت، كلما تذكر كيف صرع أعداءه من مملكة أندلو بضربات سيفه واستولي على الكثير من مدنها، رافعًا علمهم الصليبي المميز. مد يده ليتحسس سيفه، فإذا به يفاجئ بأنه يرتدي منامته الصفراء. ما أن انتبه لذلك حتى أرتفع صهيل متقطع لحصانه الأشهب يتخلله نداءات مستعطفة باسمه. تخشب جسد ثيو للحظة، وكأنها كانت العلامة التي ينتظرها جواده، لينطلق به صوب الصوت المختبي بين أشجار غابة الموت.

من بين شهقات ودموع كان ينادي الصوت بحنين ولوعة "ثيو.... ثيو" تجن جنون ثيو، فيحث فرسه على الركض، لتنقبض أقدامه الأربعة، وتنبسط بقوة يستمدها من قلب صاحبه الملهوف. دقيقتين ووصل الجواد إلى ساحة منبسطة تغطيها الحشائش على مرمى البصر وجد غايته فتاة مفترشة الأرض بفستانها الذهبي الذي يضي ما حولها، تسند رأسها على رأس جوادها الداكن البشرة ذو الشعر البنى الطويل الذي تخللت شعراته شعرها البنى المموج، وألتحما، كما ألتحمت دموعهما اللؤلؤية.

"ثيو" نطقتها من بين شفتيها الكرزيتين بصوت متهدج من العاطفة أكثر من البكاء، دفعت ثيو ليقفز من على صهوة جواده، ويندفع نحوها كالمجذوب، وفي لحظة كان جالسًا على ركبتيه بجانب فرسها، ومد يده ليمسح دموعها، فإذا بها تعيد رأسها إلى الخلف بسرعة وتأتي من اللامكان بسيف يحفظ كل سنتيمتر منه، نقش على نصله اسمها "صفية". عاد بعينيه إلى عينيها التي شقت طريقها إلى قلبه قبل سيفها، ليشهق بقوة مستيقظًا بين يدي صديقه ليو ومربيته العجوز.

*. *. *. *. *

-" قبل أن تنعتيني بالجنون، فلتسمعيني بربك" قالتها صفية لصديقتها الشيماء التي لم تستعد توازنها من هول الفكرة التي هزت كيانها، فكيف لها بأن تتزوج من عاشت طوال عمرها تعتبره أبًا لها بعد وفاة أباها؟ أنه رفيق صبى والدها الذي  لم تره عينها قط. لقد رعاها كابنته منذ ولدت، فأنىَّ لها أن تتزوجه؟.

نظرت صفية برجاء لصديقتها التي تطلعت لها بذهول دون أن تنبث ببنت شفة، فاستغلت الأولى صمتها، وقالت بهدوء: واه.. واه يا صديقتي. لقد فقدت أمي قبل أن أراها، وأنعم بحبها ورعايتها، وأغتيل أخي وابنه على يد فرسان قيشو، لم يعد لي سوى أبي الذي زهد في النساء أكرامًا لأمي الراحلة، وبذلك كتب على الوحدة والثأر، ولن يبقى لأبي سوى الحزن والحسرة وانقطاع النسل، ففكرت في أن يتزوج أبي لينجب ولدًا يحمل اسم عائلة زيد على كتفيه، ويكمل ما بدأه الأجداد، ويورث منجازاتهم إلى أبناءه وأحفاده.

هتفت الشيماء بغرابة: أويدك في فكرتك، ولكن لماذا أنا؟

ربتت صفية على كتفها، وأجابتها برقة: لكنك صديقتي وشريكتي في كل شيء منذ الطفولة، لم نفترق منذ عدت إلى غرنو إلا عند زواجك من وائل هذا، ولقد أحسن إليك بأن طلقك، فهو شاب أرعن عابث عاشق لك بنات حواء.

ردت الشيماء بالدموع تتقفاز من مقلتيها لتنهمر على وجنتيها الجمريتين: أجل طلقني بعد أن قتلت جاريته المقربة إلى قلبه حبابة طفلتي الرضيعة خنقًا فور ولادتها حتى لا تفقد مكانتها عنده. لقد جعلني فريسة بين يدي جواريه وعشيقاته، كدت أفقد عقلي من هذا الماجن. ألا تبًا له، لقد جعلني أزهد الرجال جميعًا.

ضمتها صفية في صدرها، وقالت لها بحنان: لعنه الله عليه، وعلى كل من هو على شاكلته. أنسيه يا حبيبتي، أنسيه لأجل قلبك الحنون الذي طالما احتواني. تزوجي أبي لأجلك وأجله وأجلي، فأنتِ تعلمين مدى رقته وحنوه ودماثة خلقه. كوني أمًا لأخوتي، وأدعميني بأسرة تحفظ لعائلتي اسمها، ولأبي هيبته، وتمدني بقوة لأخذ بثأري. 

اعتدلت الشيماء، ومسحت دموعها بسرعة، وهزت رأسها وهي تقول: موافقة، سأفعل يا حبيبتي. 

ثم سألتها بتوتر: ولكن هل ستشركينني في كل شيء؟ 

أجابتها صفية بحزم: أجل بالطبع. 

سألتها الشيماء بلهفة: إذن ما حاجتك بمربيتك؟ 

أرجعت صفية رأسها إلى الوراء مسترخية، وأجابتها: لتعلمي حاجتي بها، يجب أن تعلمي من هي مربيتي، وما هي قصتي معها.

أمسكت الشيماء بيد صديقتها تضمها إلى صدرها رجاءًا، وهي تقول: كلي آذان صاغية. 

تنفست صفية بعمق، وبدأت تروي ما لم تحكيه قط. 

#يتبع


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق