الخميس، 13 مايو 2021

دمعة قلب بقلم // انور ساطع أصفري

عزفٌ منفرد على ايقاع نقيق الضفادع .

من مجموعتي القصصية : دمعةُ قلب .

الكاتب الاعلامي الدكتور أنور ساطع أصفري .

*******************************************************************8*************

سرتُ تائهاً في أزقةٍ ولهى ، تحنّ لبسمةٍ ، لوردةٍ جوريةٍ وهمسة حب ، تخيّلت أمامي الأرض بمعطياتها ومطبّاتها ، فتراءت لي كمستنقعٍ بالجراح التي تحملها . 

فكرةٌ حرّة أنا ، لزمنٍ مثقوب الرؤى ، لزمنٍ يتآكل كالمقالات في الجرائد ، ومثل بابٍ يُصدر أزيزاً قاسياً ومؤلماً أحياناً ، أحمل في قلبي غصن زيتونٍ ، ويسكن روحي طيرٌ مهاجر ، أنا الأبجدية الهشّة التي لا وزن لها ولا قافية ، أنا اللوحة التي لم تكتمل بصماتها  ، أنا البوصلة الشقيّة التي تاهت بين الشمال والجنوب .  

أبحثُ عني ، فلا أجدني ، لقد وطأت الأقدام عشرات السنين مجبولةً بالأحلام . فرشتُ دربي بالوردِ والنعناعِ ، بالزعتر البري والحبقِ والريحان ، فأزهر العشقُ كمواسم الزيتون وبيارات الليمون .

ركضتُ وراء سرابٍ هش ، كاد أن يوصلني إلى ماهيّة الحياة عند البشر ومخلوقاتٍ أخرى ، ابتسمتُ بسخريةٍ جادة ، فتراءى لي مستنقعٌ مليءٌ بالحياةِ وبالحركةِ رغم ركوده ، رسمتُ عاصفةً من الشغفِ ، وقلت : قد تأتي أو لا تأتي ، فالعابرون هم كما أوراقُ الخريف ، ووحدي من سيبقى حارساً على كهف الحياة . 

عدتُ إلى غرفتي اليتيمة ، جلستُ ، وضعتُ رأسي بين كفّي ، وأنا أُحاول أن أتحقق مما يدور في خلدي ، فالفقراء لهم نصيبٌ من الشمسِ والهواء ، من الرمال والشواطى ، من الليل والغزلِ الخجول وأمواج البحر ، لهم نصيبٌ من الأغنيات والايقاع ، والفرح الذي قد يكون عابراً  ، لهم نصيبٌ من الأبجدية والكلمة ، كما لهم نصيبٌ من الموت المجّاني الذي لا يشاركهم فيه أحد .

شهقتُ ، تلعثمت كلماتي ، تشرّدت أفكاري ، ذهبتُ بعيداً ، حدّقتُ في مرآةٍ تواجهني ، تمتمتُ نعم إن المستنقعات هي بلاد الضفادع والبعوضِ والديدان والعصافير المتصيّدة ، والجراثيم والبكتريا ، اضافةً إلى الاعشاب الشوكيّة المتسلّقة التي تسوّر هذا الوطن المستنقع العجيب .

فما يحدثُ هنا ، تماماً كما يحدثُ هناك ، فالأفاعي تتلذّذ بالتهام الضفادع ، وكلما وقع ضفدع صريعاً بين أنياب إحدى الأفاعي  ، ترفع الضفادع صوتها لتخيف الأفاعي التي لا تسمع .

وهكذا تستمر الأفاعي في التهام الضفادع بينما تُمارس الضفادع حقّها في الاحتجاج والنقيق ، وكأنها تطلب من كل أحياء المعمورة أن يضعوا حداً لهذه التعديات ، وأن يُلزموا الأفاعي باحترام وحقوق المخلوقات بالعيش بسلامٍ وأمان . 

ضحكتُ لأفكاري الانسيابية ، هممتُ أن أغوصَ في العمقِ أكثر ، إلآّ أن صديقتي السمراء فاجأتني قائلة :

لعلّك تأتي وأقفلُ باب الرحيل . !

نظرتُ إلى أعماقِ عينيها عبر مرآةٍ حزينةٍ ، فتحتُ نافذةً نحو ذاكرةٍ لا تُغلق ولا تصدأ ، تمتمتُ بصخبٍ :

لم أجد لعشقكِ حلاً ، إلاّ أن أعشقكِ أكثر . 

تابعتُ :

هل تعلمي يا صديقتي أنني أحنُّ إلى رائحة الكبريتِ والحطب المحترق ، فهذه الرائحة تعيدني إلى بيت جدي ، إلى القرية ، إلى العزّ الذي رحل ، بعد أن شوّهته الأيام ونثرت عليه رائحة الموت . 

إرتجفتْ ، تغيّرت تعابير وجهها ، إنفعلت ، إنتفضت قائلة : 

عن ماذا تتحدث ؟.

لا ، لن يغتالني الصمت ياصديقتي ، فأنا أرتدي حروف الأبجدية ، أُثني أطرافها الفضفاضة على كل جوانبي ومسامات جسدي ، لذلك ابتعدوا عني ، وأصبحتُ شبيهٍ بداءٍ معدٍ ، وعندما كنتُ اتابع المسير ، أشعر بأنني أشبه بمن يقود درّاجة صدئة ، صريرها ينخرُ في الرأس والجسد . 

انتابها الإنفعال أكثر ، كادت تصرخ ، أشارت بيدها ومن ثُمّ قالت :

أرجوك ، لا تراوغ معي ، ما بك ، هل أنت بخير ؟ .

قلت :

ثقي يا صديقتي ، إن قلبي هو وطنٌ لصديق ، وأنتِ صديقتي ، فطيلة هذا اليوم كنتُ أتحدّث مع نفسي عن المستنقعات والضفادع والأفاعي ، والبعوضِ والأعشاب المتسلّقة ، محاولاً التمييز بين مستنقعٍ وآخر . 

إبتسمت ابتسامةً صاخبة ، ضحكت ، رقصت تعابير وجهها ، فاجأتني قائلةً وهي تتحسس صدرها : 

ما ينتابك ، ينتابني أيضاً ، وثق ياصديقي أن هذه الضفادع شئنا أم أبينا هي تماماً كأجهزةِ إعلامٍ ناطقةٍ بإسم مجتمع المستنقع ، ومن خلال صراخها تروي واقعها وتاريخ مستنقعها ، وكأن لسان حالها يقول " إن مستنقعنا مليءٌ بالمياهِ الآسنة ، ومحكومٌ بأسرابِ البعوضِ الذي يمتصّ دماء مواطني المستنقع ، وبالاعشاب اللزجةِ المتسلّقة " .

استدارت ، تراجعت ، تمتمت بكلماتٍ مبهمة ، إبتسمت وقالت :

لا ، لن يذيبوا شمعة الأمل من عينيّ ، ولن ادعهم ينامون على صدري كهمٍ ثقيل ، فالحياة وحدها تستحق طقوس مخاضٍ لولادةٍ جديدة ، لذا سأنسج من حنيني فرحاً جديداً ، ولن أمتطي قلقي بعد اليوم . وتأكّد يا صديقي أن المستنقع مُعرّضٌ لفورات بركانية ، حيث تقذف حممها النارية بعيداً ، كي تشيد التلال والوديان ، ولتعطي للأرضِ خصوبتها ، وللطبيعة جمالها ورونقها ، وعندما يثورُ بركانٌ ما ، فإنّه سيعيد كتابة التاريخ بشكلٍ آخر . 

ضحكت ، التفتت إليَّ بعيونٍ زائغةٍ لا هدف لها . 

تمددّ الوجعُ على خاصرتي ، ومن أعماق الصدرِ تدلّى حزنٌ أحمق ، داهمني صوت فيروز المعتّقِ  بعبقِ الياسمين المتناغم مع ترابٍ أحمر ، مع الزيتون والزعتر البري والزنبق ، هززتُ رأسي محاولاً إخفاء دمعةٍ كادت تفضحني . 

إفتعلت حركةً مضحكةً بيدها ، تلاها ضحكٌ هستيري من أعماق قلبها ، حتّى علا صوتها بايقاعٍ صاخبٍ مبعثر ، وفجأة صمتت بشكلٍ عشوائي ، وقالت متسائلة :

دعنا من الخوفِ ومن الأشباح والطفيليات ، وكي لا يفقد الطير صوابه ، هل تعلم ماذا تقول الضفادع في سرّها عندما تكفّ عن النقيقِ وتصمت ؟.

قلت دون ترددٍ :

لا . 

إبتسمت ابتسامةً مفتعلة وقالت : 

تدعو ربها أن لا يثورَ البركان من جديد .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق