★ ٱلٱختِيَار ★
أنْ تختار فأنت حر حيٌّ لديك أجنحة تحلق بها لحيثما تشاء كمَا ولديك حرارة نبضاتٍ في عروقِك تسمِعك وبكلِّ وضُوح إنّ لديك حياة تحياها بجذوةِ الإرادَةِ على إيقاعات رفرفة أوتار القدرةِ والمضَاءِ، فكيف لأجنحةٍ أنْ تجنح في العالِي ما لم تطلق لها ٱختيار التحليق عن راسفةِ القيودِ في القبو الظلمانِيِّ وعن الزحافةِ على بسطِ الأرضِ، كيف لبذرتك أنْ تنمو شجرة بثمرٍ حلو مشتهىٰ في حقلك ما لمْ تلقيهَا في أثلامِ نفسِكَ لتزهر بالنضرةِ والعطاءِ، كيف لإنسانٍ أنْ يحيَا في مقامِ الإنسِيَّةِ دون إرادةٍ لنزع قشور البشرِيَّة عنهُ والٱرتقاء في الصعودِ، كيف لأحدٍ أنْ يخرج من الظلمةِ والعبودة دون أنْ يَسير بختيارِهِ نهاهضًا للمسيرِ على دروبِ الحريَّةِ ومحلقا لفضَاءَاتِ النّورِ، الحرِيُّ ألٱختيار هُو مجالُ إرادتك المديد وهدفها الذي تسعىٰ وتجنح إليهِ وبدونهُ تبقىٰ إردتك كمَا الكنز الثمينُ الدفِينُ وكمَا مصدر الضِّيَاءِ الموصد عليهِ بحجُبِ أوصَادِ الظُّلمَاتِ، فٱختر إرادتك وكن فطينا في كلِّ ٱخْتٍيَار.
ليكن ٱختيارك مدروسا ولا تتوانىٰ أنْ تلقي بهِ في الغربالِ لتنقيةٍ كمَا يُنقىٰ حبَّ الحصيدِ مِمَّا يشوبهُ، وكذا أنْ تقلِبهُ لحسنِ ترجيحٍ وتزنهُ بميزانِ الفطنةِ والذكاء، قرارك بيدك فٱحسِن القرار وٱمضِ قدمًا ولكن لمَّا تقع بين خيارينِ سيئينِ فٱعرض عنهُما ولا تختر أيٍّ منهما خير لك وأزكىٰ فالسوءُ أحدهُما أنْ تختار، ولكن حين لا مناص ترفقْ بٱجتباءِ أقلهُما سُوءً ولا تحمل نفسَك ثقلا تنوءُ بِهَا عنِ الٱستِدراك للصَّوابِيَّة لمَّا للصَّوابِيَّة ظهورا في قادمِ المِحيَانٍ.
ليس الٱختيار لعجرفةِ ظهُورٍ ومن أنانِيَّةِ ٱشتِهَاءٍ ولألهُوَّةِ مُباراةٍ إذ الٱختِيار مسؤوليَّة مصدقا عليها الضَّمِير ولفضائِلِ الأخلاقِ والحرِيُّ بكلِّ عَاقلٍ ألّا يَختار أيِّ خيارٍ إلّا لعين حقّهِ في الاِستِواءِ كمَا نضُوجُ الثمرِ على غصنِ الشجرةِ كلٌّ في آوان، فلا سابقُ أو لاحقُ وَقتٍ للشُّرُوعِ في تنفيذِ الٱختِيار إلّا حين يُؤذنُ أذانهُ صِنو أقمارٍ وكواكبٍ وشموسٍ في أفلاكِهَا لذروةِ الكمالاتِ على متقنِ كلِّ توقيتٍ وسِيّ فعالةُ الخميرةِ لمديدِ التنفسِ في روحِ الٱختِمارِ.
كن حكِيمًا إذ تسترشد لأمرٍ بٱختِيار الآخرين، ولكن الحذر أنْ تكون تابعا على الأثرِ وأنْ تسمح لكائنٍ مَا كان أنْ يفرض عليك الٱختِيَار، فمَا وَقع في ظلمة الأسرِ وقهر النَّدامَةِ إلّا الذين جعلوا خيارَهُمْ بيدِ الأغيار، لأنَّ وإنْ أسئت الخيار من حرةِ ٱخيتارِك فإنّ لك بهذا عزاء وسلوان، وكذا مَا من شعب ٱستعبد لأصفادِ العبودِيَّةِ والقهرِ إلّا حين ٱستلب من الإرادةِ، وهلْ خيار بلا إرادةٍ إذ لا نار من موقدِ رمادٍ مغرق بمَاءٍ.
إنَّ الخير والشر المتعلقِينِ بالأفئِدةِ ولِمَا من جذبٍ حولهُ تطوفُ الأنفسُ من ٱختيارِ الإنسانِ ولكلِّ مَا يَجتبي من أخلاقٍ وأفعالٍ، والذي يسيء ٱستخدام الحريَّة الحرِيُّ الحرية منهُ أجنحتها بَراء وعليهِ وِزر مَا يَصنعُ من عاقبةٍ رادعةٍ عادلةٍ، وما الخير والشر إلّا من مكيالِ الإنسانِيَّة ومَا خلاها على غير هدىٰ الإنسان وما خلّاهَا يمتحُ من فوضىٰ وسراب، وما يقع من الطبيعة خيرا كان أم شرا فهو عملٌ أخرس وما ناطقُ الخيرِ أو الشر إلَّا مِن ذوي الوعي البشري من أسفل رشد الوعي لاِكتِمالهِ بين يدي ٱلإِنسِيِّ، فطوبىٰ جواهر الذات الكليَّة للذي يُحسنُ الٱختِيَار.
ٱختر الجمال والمحبَّة والسلام والحرية والخير، لأنَّ خيارك هُو الذي سيشكل حياتك وما منها من براعمٍ لأزهارٍ وأثمارٍ تتفلق، هو الذي سيظهر إنسانك على أيِّ دربٍ يسير وفي أيّ مقامٍ سيحلُّ، ألآ إنَّ خيارك هُو عهدك الذي الحرِيّ بهِ أنْ تلتزم خفِيرا وبهِ أنْ تحيا وَفِيًّا أمينٰ.
ٱختر كلَّ جميلٍ يُحسنُ مستوىٰ معيشتِك ويشرقُ بالحسنِ على علاقاتِك بالآخرين ويهذبُ نفسك ويحرر روحك ويقيمك على حقِّ رحلتك في هذهِ الحياة الأمين، وٱنهل من الينابيعِ الصَّافِيَة الرواء وكن أنت ما ٱستطعت هو الإنسانُ.
إنَّ الحُريَّة ٱختيار الإنسان من سليمةِ فِطْرتِهِ، لأنَّ الذي يختار العبودة هو مَنْ طبعَ نفسهُ بِوسْمِ العبودِيَّة فضربَتْ عليهِ أوهاقهَا، ذلكُم كلُّ إنسانٍ سوِيٍّ بالضرورةِ ٱختِيارهُ الحريَّة ولا يَتمعك في الٱستِعبَاد إلّا العبد إنْ كان مُسْتعبِدا أو مُسْتعبَدا، فهلْ مِنْ حر إلّا بأجْنِحَةٍ ونوراء.
حين تحسم أمرك وتختار لا تتردَّد بل بقوةِ الشكيمةِ حقق ٱختيارك ولو تعثرت في الطريق عاود النهوض وتقدم في سَيرِك غير ملتفتٍ لٱحباط، وإنْ خسرة كرَّتك لا تستسلم بل تعلم من خسارتِكَ لتحقيق النَّجاح، وكر ولو ألف مرة وأكثر نحو تحقيق هدفك الذي ٱخترت، تعلم من كلِّ خيارٍ يَنسربُ من بين يديك وكن أنت لنفسك المُرشد فجَمَالُ الحياةِ على دربِ المحاولاتِ بعزيمةِ الكفاح وحسنِ الفِطنِ، لأنَّ كذا على دربِ كلِّ محاولةٍ تزهر الأرضُ بالخيرِ والعطاءِ.
إنَّ مسرَّتك يا أيُّها الإنسَانُ تشرقُ بالتجلي قدام تجليات الٱجتِبَاءِ في مقابلِ ما وقع عليكَ رغمًا عنك من إجبارٍ قسرِيِّ، فٱفرح بقدرتِك على الٱنتِقاءِ وكن حكيمًا في تعاملِك مع كلِّ ما لمْ ترتضيهِ من ما ٱنثالَ عليكَ قهرا من الإرغام، وإيَّاك أنْ تذهبنَّ نفسَك أسفا على ما ليس لك فيهِ أمر أو حيلة إذِ الأمحوضة أنْ تقرَّ عينا وترضَىٰ.
لقد كذب الذين قالوا إنَّ الإنسان واقعٌ كُلّهُ في الجَبْرِ ولا حريَّة ٱصْطِفاءٍ لهُ وكانُوا في الضَّلالةِ والبهتان، ألآ ما مُسْتندٌ يَسنِدُ عليهِ الإنسَانُ متونهُ إلّا أحكامُ الإنسِيَّةِ الفياضَة أوّلا من جوانِيَّتهُ عليهِ بالنورِ، وإنما الجدار المتهدمُ يَتهدمُ على الذين عليهِ يتكِؤون، والحريُّ لا أحد عاقل يفترشُ أرضًا تحت سقفٍ آيلٍ بشديدِ الٱنحِناءٍ للسقوطِ، ومَا الذين بِحرةِ الذاتِ على مَا يَستطِيعون وبضِياءِ البَصِيرةِ منورُون سِيّان والذين في أكبالِ خرافةِ الأساطِيرِ وظلمةِ النَّظر يَعمهُون.
ليس خيارا أنْ تقفَ على رصيفِ الميناءِ دون أن تختارَ سفينتك التي بهَا تبحر، لا تصفد أجنحتك وتقعد في الثبور مكبلا بلا حراك، ٱنظر فإذا ما كانت الرياحُ مواتية والبحر يناديك لمخرِ عبابَهُ وبوصلتك موجَّهَة بشكلٍ صحيحٍ على خريطتِك فلا ترجىٰ الٱبحار بل للتو ٱمتطي شراعك فوق الموجِ نحو هدفِك المنشُود، فحريٌّ بك أنْ تقبضَ على خيارِك الأمثلِ من بَيْن الخياراتِ التي تعبر أمامك وبمحبَّةٍ وثباتٍ قدما تمضِي.
حينما تختار حلّ وِثاق نفسك من قيودِ النَّفسِ الدونِيَّةِ التي على المشرِبِ الكدرِ وفي ظلمةِ الأسرِ، تلك التي تجعلك كما الزواحفِ على أديمِ الترباءِ ولشقوق الأرضِ، إنَّ للطيورِ أوكارا فوق أعالي الأشجار وفي قمم الجبال وأجنحتها لمديد فضاءات، وإنَّ لمياهِ الأنهار والجداولِ روافدا لمجاريها كما للأزهارِ المتشحة بجميلِ الألوانِ تربتها ونسائِمٌ لأرِيجها، كذا لك عالمٌ خِصبٌ لمَدِيدِ آفاقٍ الحريُّ تحيا فيهِ حيًّا بلبابِ المعرفةِ لفائِقِ الجمال، ألآ إنَّ صفاءَ فِطرتِك ونُورَ ضَمِيرك ووَعيك المتنامِي في السمو كلُّ ذلك يَمنحك الإشراق في يقظةِ حسانك بأتمِّ الكمالاتِ لتستوي في مقامِك الأصِيل ذو الرفعةِ إنسانا حرا وجيها إن كنت في فضاءِ الصِّدقِ لمِن المجنحين، إذِ الطوبىٰ للذي يختار الإِنسِيَّة وفيها يصير هُو الإنسانُ الحيُّ.
من كتاب الإنسان الكامل النوراني لمؤلفه :
المهندس أبو أكبر فتحي الخريشا
( آدم )
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق