الأحد، 11 يوليو 2021

مشاوير ...5... بقلم// علي غالب الترهوني

 مشاوير ...5...

_____________


زرتها مرة وأنا صغير ..طريق طويل وشاق .كان في البداية معبر للقوافل القادمة من تيني ناي ثم ما لبث رواد حرب التحرير أن جعلوا منها معبر لآليات العساكر ..سمعت والدي يتحدث إلى عمي عمر ..كان الأخير مارا من أمام البيت في إتجاه التل .ناداه والدي في ضيافة على كأس الشاي .جلس الرجل على الكليم أخرج آهة حارة. بادره والدي قائلا. .سمعت أن مملكة تارغلات غمرتها السيول ..ليس هذا فحسب بل إن نهر سيليبس نفسه فاض كما لو أن جميلات القصور الثلاث خرجن من قاعه مستحمات ناعمات. .إستدار الشيخ عمر وأخرج الكوتي من جيب الفرملة وأضرم  النار في السيجار وسحب أنفاسا عميقة وهو يرد بغضب ..منذ متي كنا ننتظر أن يفيض النهر حتى نبذر كل عام .الناس لايموتون من الجوع فقط ..ثم يضحك ...أنظر حولك هناك من يموت من التخمة. .إلى تارغلات إذن. .بعد المغيب جلسنا جميعا داخل الرواق .طلب من أمي أن تعد العدة للرحيل ..

قال بصوت متحشرج. لا مفر علينا أن نطارد أرزاقنا . إن لم نفعل ذلك يتوجب علينا  الإقتراض لأعيلكم مدة عام ..لكن أمي عصرت عيناها بشدة .إستحلبت مدامع حارة ثم مالبثت أن أجهشت بالبكاء .ولكن كيف أترك مربعي .ونساء الحي اللواتي غمرنني بالحب منذ أن هبطت عليهن تائهة من الشرق إلى الغرب ..هكذا ردت بإختصار ووالدي لم يبالي بزفرات الحزن التى أحاطت بنا الآن ..

بالنسبة لي وجدتها فرصة لأرى معالم المملكة الغائرة .حدثني عنها والدي منذ زمن .ووعدني بزيارتها حين تأتي الفرصة ذات عام وها قد آن الأوان ..

مع حلول الفجر مضت قافلة من ثلاثة جمال يحملن أمتعة ومؤن وجرار الماء من الخضراء إلى تارغلات .كان الطقس باردا  إتجهنا بمحاذاة الوادي الغويط إلى أن ودعتنا آخر شجرة زيتون .وتوغلت القافلة شيئا فشيئا حتى ضمنا الدرب على أطلال سيليبس العظيم .سرعان ما إرتفعت الشمس قليلا حتى شعرنا بالحرارة تلهب أجسادنا .

كانت أمي تركب هودجا مغطي .بالقيطون. وزينتة أمي مسبقا بأردية قديمة ذات ألوان زاهية وكلما ألتحمت القافلة وتقاربت أخرجت رأسها وتبادلت حديثا عابرا مع الأخريات ممن يركبن الهودج مثلها ...

الطريق طويل و شاق لكنه ممتع .لأول مرة أرى الجبال بهذا العنفوان ربما تتكاثر لكنها لا تلد ..سوادها وإرتفاعها وقد جعلها الله عبارة عن محميات لخيام الناس التى لم تنقطع أبدا منذ أن إجتزنا مواطن الفراشيني

حيث آخر شجرة كانت في منتصف الطريق

إستودعناها وإستودعنا خطانا على رمل الصحراء ..قبل بضع أميال ظهرت أخيرا القصور الثلاث لملكات الصحراء .كل قصر في مواجهة الأخر .على ضفاف النهر العظيم

ما إن حطت القافلة حتى هطل المطر بغزارة ..قال والدي من كان يملك أرضا في تارغلات لا ينام بلا عشاء ..وقال بصوت جهوري أحضروا المائدة ..

_______________

على غالب الترهوني 

بقلمي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق