السبت، 14 أغسطس 2021

سمكة_السّلمون بقلم // وئام باسط

 سمكة_السّلمون


في عمق غاباتٍ بتول ما اغتابها قلمٌ، ولا تلونت فيها الفصول، في عمق كهف غائب بين الصخور، في قلب ظلمات المدارك...

صعبة كانت بدايات الكفاح صعبة كانت بواكير الظهور.


نُسخ علقت في كل مكان لم أجد فيها مكاني، تعبتُ من التكرار والتشابه وتاقت روحي لقبسٍ مثير، وقلت كفى...

طريقي من اليوم مختلف، سأركب الأمواج حتى ألقى ما أريد،

ولو بحث كل منا عما يحب بصدق، حينها فقط... ستنكسر القيود؛ وبكل سلاسة سنعترف بسطوة الحب وقدسيته.


بعيدةٌ قصيّة كنت.. عن محيطٍ مُأطّرٍ بأحكام مَن ماتوا، محشورٍ في قمقمٍ صديقٍ للعناكب، بعيدٍ كل البعد عن المنطق والفطرة، ضيّق لا يتسع لأحلامي.


أجيالٌ مضت... صاغتها قواعدُ كلها تصبّ في نطاق القَولبة، وقص الأجنحة وتقليم الأحلام، لتصبح مناسبة لحجم صندوقٍ صغير يسمى العادات!


أقفز من فوق جدار...


أسأل أمي يوماً أن نلعب تبادل الأدوار، في محاولة مني لأقنعها بشراء حصان، طلب طفولي جامح....

أردته بشدة وأردت إقناع غاليتي وجعلها تفهم توقي وإلحاحي؛ قلت اطلبي طلباً مجنّحاً يرومه طفل وسأناقشك بحرص أم، لكنّ أمي لم تفعل! واستمرت اللعبة لثلث ساعة لم تطلب فيها شيئاً واحداً يثير فضول الرتابة..!


اتسعت عيناي في غرابة وحزن، لا لفشل خطتي الطفولية، ولكن لخوفي الشديد... أن أصل يوماً لنقطة السكون، ألا أعود قادرة على مداعبة الجنون. 


قطعت يومها عهداً على نفسي، ألا يتم صكّي لحناً تقليديّاً مهما كبرت، أن أبقى أنا أنا... دون أن أقص ضفائري الغجرية، أن أبقى مهرة برية دون طوقٍ ولا لجام! أريد عاصفة تلف ّ أصابعي، تقبل جبهتي، وتبعثر صفحات المستحيل.


  الآن في الثامنة والعشرين من عمري أنافس طفليًَ الصغيرين عبثاً، وأرتحل معهم حيث تقودنا قافلة أفكارهم الغضّة وأطير بهم حيث ترنو عيونهم اللامعة، وأخبرهم أن كل ما لا يؤذي من حقنا تجربته واستكشاف الفضاء الرحب على سعته.

  ‏

أعيش ذلك... وأغرسه في حديقة الغد، وكلي أمل أن العالم قادر على معرفة ذاته والتصالح معها وأن روح الكون ستكون أقوى وتجلو الوسن عن جفوننا؛ أننا قادرون على الانسلاخ من الضيق والانعتاق من أسْر الفكرة، ففي داخل كل منّا بذرة تفرّد، ما علينا إلا أن نفتح لها النافذة لترتوي من مطر الحياة وتكون باسقات من الخير والألق.


قطعت شوطاً طويلاً من الانكسار والألم، من الطَّرقات التي سمحت لي أن أكون ما أنا عليه اليوم، سعيدة بندوبي وفخورة بها.

في طريقي القصير الطويل، واجهت شعور التقوقع في زاوية الغرابة، تحوم حولي حمائم الوحدة، ثرثرات هامسة وأصابع تشير من خلف ستار... واجهت ذلك ثابتة، غير آبهة، تبتلّ وسادتي ليلاً أو تعجّ بالأطيار؛ لم يكن أي يوم سهلاً لكنه كان ممتعاً، عشت الخيار في أن أكون ذاتي، وعاشوا عمراً من المراقبة المشلولة في فراش؛


فردت جناحيّ وقفزت من قمة التوقعات وطرت، جُبت العالم في كتاب، أعيش غير نادمة على شرفة الرضا، لم أرجع ولم أثبت في مكاني، قاومت كل الرياح، سبحت عكس التيار، أنا سمكة السلمون الناجية وسط قلوبٍ أحبها وتحبني، تشاركني الحلو والمر... وهذا هو طبق الحياة، شهيٌّ ساخنٌ لاذعٌ مليء بالتوابل والبهار، لمن يجرؤ فقط أن يتذوق طعم البهار.


أيا نفسي؛ ما من وصول سهل... كل الولادات صعبة، لكنها... تجلب أعظم المسرّات! ورحلة العمر تستحقّ منا أن نجعلها أسطورة نغمض من بعدها أعيننا بسلام. 


______________


وئام_باسط 18.3.2019

لصفحتي على فيسبوك: أشرعة الليلك


________________

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق