تائهون(قصة قصيرة)
كنت كعادتي أترحل بين البلدان والأمصار فلا ألبث في مكان شهرا حتى أنتقل منه في الشهر الموالي، حاديا الأمل الغائب؛ الذي طالما حدا بالرجال إلى التغرب عن مواطنهم لتلمس مواطن الرزق وأوكاره، أو التعلق بأذيال العلم والمعرفة؛ ولم يكن لي من صديق مقرب غير كتابي الذي لا يفارقني وقلم رصاصي الذي لا يشاكسني ولا يجبرني على كتابه أمر لا أقتنع به فيمحو كل شيء تتزعزع قناعتي حياله.
وبينما أنا سائر ذات يوم بين أشجار السلم والمحيص، وأسراب الطيور تمر عني يمنة ويسرة، وأصوات الصراصير تصم الآذان؛ وقعت عيناي على ثلاثة فتيان يجلسون قبالتي لا ينفكون ينظرون إليّ؛ فما زلت أختلس النظر إليهم حتى رأيتهم لا يتحركون من مكانهم وكأن جاذبا في المكان يشدهم أو كأنهم ينتظرون مجهولا؛ فقادني حب الاستطلاع ودفعني الملل والضجر من جراء انتظار السيارات إلى أن أنضم إليهم؛ فتحركت على مهل وأنا يخامرني الشك وتساورني الريب من أمرهم؛ ولما اقتربت منهم التفتوا إليّ دفعة، ولبثو صامتين وكأنهم يريدون أن أبادرهم بالكلام؛ فسلمت عليهم فردوا عليّ التحية وزادوها فانشرح صدري لصنيعهم؛ فأردت استطلاع أمرهم فسألتهم: ما لي أراكم واقفين هنا؟ أ لخطب ألم بكم؟ أم هي مجرد وقفة استنشاق لعبير الطبيعة؟ فقال أصغرهم: "لم يلم بنا إلا ما ألم بهذه الأمة في هذه الأيام من جراء استقالة العقل وهزيمة الإرادة الحرة وتخاذل العدالة في مجتمعنا؛ فخرجنا تائهين إلى هذه الغابة كما ترى علها تكون سلوى وعزاء لنا". وسكت هنيهة ليسترد أنفاسه وتركني أصارع الأفكار متموجة بين الشك واليقين لفك طلاسم الإجابة.
وبينما أنا أرسل لمخيلتي العنان مفتشا في ذاكرتي عن مدلولها وأقول في نفسي: ترى هل يفكر هذا الشاب بهذا القدر من التفكير؛ وهو ما يزال في ريعان شبابه وعنفوانه ولم يبلغ بعد سن الهموم؟ إن في الأمر لغزا لم أهتد بعد إلى حله. وبينما أنا في تلك الغيبوبة الفكرية؛ وقف الآخر تلقاء وجهي وقال قبل أن أنطق ببنت شفة كأنه يفسر رد رفيقه: "نحن قوم غزتنا العولمة واستبد بنا الجهل وسحقنا الاستبداد السياسي والاجتماعي؛ فلم يعد للمثقفين فينا من دور غير الترديد الببغاوي لما لقنهم المجتمع من غثاء أو ما أوعزت إليهم به الإرادة السياسية وإكراهات الواقع بتناقضاته المذهلة؛ فأصبحوا دمى تحركم المطامع وحب الشهوات وضاعت الرسالة التي حملوها بين تضاعيف الإرهاب السياسي والإكراهات الأيديولوجية المستبدة للمجتمع فاستحال فكرهم إلى ثقافة جوفاء أجهزت عليها العولمة وقتلتها شر قتلة فمازالوا يندبونها حتى الساعة، فأمن الاثنان الآخران على قوله، ولاحت على ثغر منصور ابتسامة مشرقة حينما رأى ذهولي ثم أردف قائلا صدق عُمر في قوله ولا غرو في ذلك فهو و إن كان أصغرنا سنا فإنه أوفرنا علما ومعرفة بالشريعة؛ لأننا شبه عزل من الثقافة الدينية ولكننا في المقابل مزودون بقسط وافر من الثقافة الوضعية، فبالنسبة لي أنا منصور فقد تخرجت في جامعة "الصفوة" بإجازة في الدراسات الاجتماعية.
أما عزيزي سلمان فقد عكف على دراسة الطب النفسي والعضوي معا فحاز شهادة الدكتوراه في مقتبل العمر. وما يجمعنا على اختلاف مشاربنا الفكرية هو أننا اتحدنا ضد رياح الفساد التي طفقت تعصف بمجتمعنا، فقلت: عند هذه النقطة بالذات يلتقي كل المصلحين.و عندها أشار إلينا سلمان أن اجلسوا إلى جذع الشجرة الظليلة فقد أخذ منا الجهد وضربات الشمس مأخذيهما. فلما جلسنا إلى الشجرة سألوني عن اسمي فقلت: اسمي صالح، وقد جئت من حيث أوشم الإصلاح، فقال عمر أما أنا فقد جئت من حيث تنموا الجهالة وينتعش الفساد ميمما وجهي حيث يحيا الإصلاح وتتحرر الثقافة من الوهن والخرافة وتنمو نواتها لا أن تظل ثقافة جوفاء تتقد دون أن تحدث ضوء، فقلت: ما رأيك يا سلمان فلا أراك إلا صامتا مطرقا فقال: إن المثقف إذا ضاقت به الأرض بما رحبت وأزعجه تخاذل المثقفين من حوله لا يجد بُدا من الاستقالة الشريفة والهروب إلى رحاب الطبيعة علّه يجد عندها سلوى وعزاء لما ألمّ به؛ وهذا ما حدث معنا ويحدث في مجتمعاتنا الشرقية في أغلبها اليوم؛ فأن تكون مثقفا حقيقيا في عالمنا اليوم معناه أن تتضعضع للعامة وتتودد لهم فيما تكتب وما تقول حتى وإن كان بعيدا كل البعد عن ماتؤمن به وتتبناه في قرارة نفسك؛ فبمجرد أن تحاول الخروج من عباءة التقليد الأعمى إلى فضاء الابتكار والتجديد حتى تجد أيادي الغوغاء تمتد إليك لتصدك عن وجهة أنت موليها؛ مؤمنا أنها الوجهة السليمة، وهذا ما جر علينا الكثير من عثرات الطريق؛ حيث سرى في عقولنا منطق المجاملات في كل شيء؛ فتراهم يصفقون ويتعالى هتافهم لمن يمقتون، وترى "متفقها" يحوم حول الحمى يوشك أن يقع فيه فيفتي بما يروق للعامة وترى المؤرخ ينادى ويردد أمجادا ووقائعا لم يرها إلا في الحلم، وترى الأديب ينثر أقوالا وينظم أشعارا تمجد واقعا لا وجود له إلا في خياله هو إرضاء للضمير الجمعي وترى المدرس يستميت في الدفاع عن أفكار وقضايا يكفر بها بالجملة؛ وتلك لعمري هي السمة الوحيدة للثقافة الجوفاء التي اجتاحت العالم وتخللت أروقة عقول مثقفيه وخربتها دون استئذان ولا تروي، فالثقافة الجوفاء هي التي تقضي بأن يظل المثقف برغم اتساع ثقافته يتحدث بلسان العوام ويمتثل ما تمليه عليه عواطف العامة وحماقاتهم المعهودة."
عندها جاءت سيارة مسرعة فركبت وغادرتهم ورنين كلمات سلمان مايزال يتموج بين مسامعي، فدخلت المدينة بلباس غير لباسي، وجيباي مفعمان بأقراص الثورة الهوجاء التي لا تعرف الانتظار.
محم ولد الطيب /موريتانيا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق