الجمعة، 10 سبتمبر 2021

قهر بقلم // نفيسة العبدلي

 قهر

وقف الصبي و قد جاشت أحزانه أمام الخباز و بقي يرمقه بنظرات حفها الحزن و اعتراها الألم...عطرت رائحة الخبز المكان فدغدغت معدته الخاوية و شلت تفكيره فتحلبت أشداقه و سال لعابه...لم يستطع الصمود أمام هذا المشهد المغري و من دون ترو ولج إلى  داخل المحل و مد يده المرتعشة إلى رغيف مستدير ألهب لبه و أفقده صبره...لم يسعد المسكين و لم يهنأ و لو بالقليل منه فقد تفطن له صاحب المخبزة و افتك منه الرغيف زاجرا،ناهرا،طالبا منه المغادرة واصفا إياه بالسارق المحتال و بدأ في قذعه و ركله دون إكتراث لجسد أضنته الحاجة...حدج الصبي الخباز بنظرات إنبعث منها غيظ و شرر كأنه الجمر...في تلك الآونة تدخل شاب كان يراقب الأحداث غير بعيد...هاله ما جرى فلم يتمالك نفسه وأسرع إلى الداخل و أخذ الرغيف و قدمه إلى الصبي بعد أن نقد الخباز ثمنه...لهج لسان الصبي بالثناء و الدعاء لذاك الشاب و أخبره أنه لا يملك المال لشراء الرغيف له و لأمه المريضة...فلا بد لها أن تشرب الدواء و لا طعام لهما في كوخهما الحقير...وجم الشاب و تحول الهدوء داخله إلى بركان فخاطب الخباز حانقا:"انظر لمن حولك!وحاول أن تكون إنسانا...إنسانا واعيا بمشاكل غيرك...ماضرك إن أنت أطعمت جائعا أو عطفت عليه أو تصدقت بدل الرغيف بأرغفة؟؟  انظر إلى كومة الخبز اليابس في ذلك الركن من المخبزة...أترضى أن يرمى به إلى الحيوان بعد أن يئست من بيعه و لا يكون لقمة سائغة في فم إنسان!!!

غادر الشاب المكان و هو يتمتم ساخطا،ضاربا كفا بكف...

هكذا نحن،نرضى بأن تلقى بقايا طعامنا و مازاد عن حاجتنا في أكياس القمامة،دون أن نفكر في جائع أو بائس أو فقير معدم...نكدس الأطعمة لنستغني عنها دون تفكير في من يتضورون جوعا من حولنا...غاب الضمير و انتحرت الإنسانية أمام اللهفة و الأنانية المقيتة...

إلى أين ؟؟إلى أين يا بني وطني؟؟؟

نفيسة العبدلي/تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق