الجمعة، 10 سبتمبر 2021

سوق بين جدران محكمة بقلم // رفيعة عماري

 سوق بين جدران محكمة

عندما عسعس النهار بضيائه، وأرخى الليل سدوله وغسق، وعم الهدوء. وسكنت دواب النهار، لتدب دواب الليل، فتحت ليلى أرشيف ذكرياتها الغابرة، وتصفحته شريطا تلو الشريط، قبل ان يعلق في ذلك اليوم الذي غير مسار حياتها، ذلك اليوم حيث خلعت ثوب البراءة لتلبس رداء القسوة والقوة بل والرجولة أيضا، والان وقد انطفأت كل الانوار وصار الكون معتما كما هو مكمن الحب في قلبها ارادت ان تسترجع احزانا تذكرها كم هي سعيدة.                                                            

بحثت عن ورقة وقلم فلم تجد غير قلم أحمر قاتم وورقة وردية، خيل اليها لوهلة انه دمها يجري امامها احمر جذاب، لتخط ذكرى سنوات ثلاث مضت. شرعت تكتب                                                                                                             

أنا ليلى. ليلى التي لم تجد قيسا قط. إني في يوم اثنين متهالكة على مقعد خشبي طويل وقربي ابي واشخاص اخرون كثر يتهامسون وبعضهم يتمازحون وغيرهم صامتون مذهولون مثلي. جميعنا ننتظر الخلاص بأرواح معذبة وعيون شاخصة وقلوب ضامرة، بينما نحن كذلك بدأت اتصفح وجوه الحاضرين وحركاتهم وسكناتهم واستغرقت في ذلك حتى اعماقي. لقد غادرتني لأحل في قلب كل واحد منهم دون استئذان. لفت انتباهي بداية شاب نحيل أكثر سمرة من البن بثياب رثة ولكنة سوقية، كان يقول لصاحبه انه مل وتعب من حياته ويشير الى امرأة في المقعد المقابل، امرأة عليها سمات الحزن والقوة والجمال تحمل رضيعا لا اظنه يتجاوز السنة وتلتفت بين الفينة والفينة لترمق الرجل البني بنظرة حقد وتهديد ووعيد. وقد نجحت في ذلك فقد كان يزيد حنقا كلما التقت عيناهما ويستشيط غضبا ليصبح كلامه أشد تجريحا واكثر قسوة، انا أرى كم هو غاضب وتعيس وارى حزن امراته التي لن تبقى امراته بعد قليل و اسمع صراخ طفله الذي لن يبقى له منه غير عبء نفقته، وقد حاولت بجهد ان اشعر بالاسى نحوهم لكني فقدت احساسي، لم اسطع ان اشعر بشيء، لم اعد املك نفسي، من عالم آخر تأملت الغمامة الحائمة فوقهم في حياد كوميدي، خيل لي انها سلة باذنجان اسود قاتم، وحلا  لي ان اغوص في هذه السوق ابتاع احاسيس بلون الخضروات.                                                                                                       

على المقعد المجاور للنافذة الرئيسية شلة نساء عجائز سمينات يضعن مناديل رأس بالية وجلابيب واسعة، استرقت السمع علني أتبين ما جاء بهن وأي الخضروات يشرين؟ قالت احداهن بحرقة فجل ذابل ’ بعد هذا العمر لم أسلم من هذا القدر، لم يشفع لي سني ولا تضحياتي’ أجبتها في سري أن لم يشفع لأي منا سنه ولا تضحياته.                                                                                                                                 

صرفت نظري عن كومة الفجل تلك الى طبق طماطم يانعة تذوب في حضن خيار طازج، ثنائي متجانس يجلس بانسجام متناه، وتناغم يثلج الصدر ويسعد القلب لولا أنه صادر عن واحد سيصبح اثنين بعد برهة قريبة جدا، بيد في اليد ورأس على الحضن كانت تسمعه آخر ألحان صوتها العذب كسكن له قبل أن يصير دون سكن، ضحكا وتهامسا وتمازحا حتى كأنهما لا يدريان أنهما صحن سلطة ستفرز مكوناته بعد قليل. واأسفاه على حبهما الطري واأسفاه,..واأسفاه على الرجل القابع بجانبي منكسرا جريحا غائبا عن الحياة يابسا جافا كتمرة سقطت من نخلة شاهقة, واكربتاه عليك يا من انت فخري وقدوتي وسندي يا سبب وجودي, ما بالك تبدو ضئيلا اليوم مختنقا تحبس الدمع داخل تلك العيون العسلية الغائرة وتبثني بنفس تلك المقل نظرات تشع فخرا بصمودي وقوتي المتهالكة المتمالكة, وابادلك النظرات الباسمة لأرفع همك وقد أنساني همك همي, ما كنت هينا يوما وخسأت اذ اهنتك بهذه الجلسة, ولكني يا أبتي مثلك لا يد لي ولا حيلة غير أني كنت حبة فراولة تسر ذلك الرجل في آخر الطابور حتى اذا هو ذاقني لم يجد مذاقا يستسيغه فباعني بثمن بخس و كنت انت الشاري المحب...                                                                                                                                

ليلى وأحمد, هكذا دعانا البواب للمثول أمام الميزان دخلت محملة بما جاد علي السوق الكئيب به من أحاسيس أعد الخطوات نحو النهاية وكلي أمل أن أستيقظ من هذا الكابوس الثقيل الجاثم على صدري, لم يكن رجلا ذلك الذي بيده مصيري كانت شابة في أبهى حلة بأظافر مطلية بالأحمر الجريء وشعر حريري منساب بحرية على الكتف الأيمن وشفتين ممتلئتين ورديتين وعيون مثيرة ثائرة وخدود مزهرة وردية , وجسد أنثوي بامتياز, لم أكن أمامها بكل ما أحمله من بؤس ونحافة وهوان غير قردة شمبانزي, أعتذر منك يا نفسي لكنني حقا كنت كذلك بل أبشع, خيل لي أنها تستلطف الرجل الماثل بجنبي وقرصتني نحلة غيرة أخيرة قبل أن أنظر الى وجهه الشاحب و عيونه الذابلة والظل الأسود على جبينه , الحق يقال أنني لم أعرف أكان حزينا لفقدي حينها أم  تبدلت خلقته من كثرة التفكير في أني سأخون وعدي وأتراجع بين يدي القاضية الجميلة وأتشبث بعش الزوجية المتناثر الضائع, لكنني رجحت كفة الخيار الثاني لأنه بكليته لم يسبب لي غير الأذى فمنذ قليل فقط كان قد أعلن لي عن شكه في وفائي بوعدي ,ضرب بسنة ونصف من العشرة عرض الحائط مشككا في مصداقيتي ظانا أنني سأتظاهر بعدم رغبتي في الفراق لأطلب تعويضا باهضا يفرغ جيوبه , وهكذا بهذه النية الناقصة استحال لونه ونضرته الى شحوب ما كان ليلقى استحسانا من الآنسة الجميلة وما كانت لتراه الا كقطعة لفت مر لا تستسيغها على مائدتها الفاخرة.                                                                                    

بابتسامة لم تفارق محياها مذ دخلنا كأنها تزفنا سألت هل هناك مجال للصلح؟ أجبنا أن أبدا، ويبدو أنها ساذجة بما فيه الكفاية لكي تصدقنا في الحين وتملي على مساعدتها ببراءة كلمات شقت أوصالي وحققت الحلم المزعج لقد حاولنا جاهدين اجراء الصلح بين السيدة ليلى والسيد أحمد لكنهما أصرا على قرارهما وعليه فقد قبلنا طلبهما، وشهدنا نحن على صدقها بتوقيعين مرتعشين وانصرفنا.                                                                                                      

رفيعة عماري عن قصة واقعية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق