قصة قصيرة :
بقلم محمد محمود غدية
(شوارع ضيقة)
القلق والألم رسما معالم حدتهما بوجهها النحيل لكنه لم يستطع أن يطفئ ذلك الصفاء المشع من عينيها ببهاء غريب، أشبه بلوحات القديسيين التي يرسمها الفنانون، متفانية جدا في عملها،
خبيرة في مغالبة الأفكار غير الطيبة التي كثيرا ما تفلح في زحزحتها بعيدا عنها، في العقد الثالث إعتادت الفصل بين العمل والكلمات الخشنة والمضايقات المتكررة من بعض العملاء، كجزء من طبيعة الحياة لا مفر منه ولا حيلة فيه، اللغة الانجليزية وبرمجة الكمبيوتر اللتان تجيدهما أهلاها لهذه الوظيفة المرموقة في إحدي الوكالات الكبري التي تعمل في مجال الإعلان المرئي والمسموع، إبتسامتها تشي ببعض لطف ومزيج من الحكمة المشرقة، لا تضع أدوات الزينة بوجهها، يكفيها ضوء الصباح وألوان النسيم، إعتاد صاحب العمل مشاركة العاملين معه في غذاء عمل يومي لإشاعة البهجة والألفة، ومناقشة المقترحات التي يبديها البعض وتلافى السلبيات، حلو الحديث أليق به دور المعلم فى مدرسة، أربعيني مطلق لديه طفل وحيد يشبههه كثيرا، لديه قدرة مدهشة علي ثبات الكأس وقت الزلزلة، عيناه واسعتان سوداوان مشرقتان، تمنح الناظر إليهما شعورا بالسكينة والإطمئنان،
لفت نظره أثناء غذاء العمل، أن الثلاثينية لا تتناول غذاءها، بل تضعه بعناية فى شنطة يدها، لا يدري سببا لذلك، ولأن الإعلان الأخير نجح وجذب الكثير من العملاء فقد أعطى العاملين مكافأة مالية،
هناك نساء حباهن الله سحرا لا تدركه الحواس، يجذب الناس كما يجذب المعدن حجر المغناطيس، وهذا ما وجده لدى الثلاثينية التى قرر أن يتبعها بعد الإنتهاء من العمل،
توقفت طويلا أمام فاترينة للملابس الجاهزة، دخلت المحل وخرجت دون أن تشتري شيئا خطواتها واثقة، تحلق كفراشة لا تقدر جاذبية الأرض على الإمساك بها، من شوارع واسعة تنتهي إلى شوارع ضيقة، دخلت محلا يبيع الدواجن الحية والمذبوحة، إشترت شيئا لم يتبينه، دخلت أجزاخانة تغيبت بعض الوقت، لتخرج بكيس مملوء بالدواء، البيوت شكلها غريب لم يرها من قبل، فوق مرتفع أشبه بلعبة السلم والثعبان، المنطقة جبلية فقيرة الخدمات، دخلت بيتا كأنه تخلف عن بناء لم يكتمل، دور وحيد يفضي إلى غرفة
- طرق الباب : الدهشة أربكت الثلاثينية.. !!
الغرفة نصف معتمة، يتوسطها سرير نحاسي قديم ومنضدة وكرسى تجلس عليه عجوز مريضة يبدو أنها الأم والدواء الذى إشترته الإبنة كان لأجلها تأكل من الطعام الذي أعدته الإبنة، رحبت به الأم بعد أن عرفت فيه صاحب العمل، طلب مشاركتهما الطعام لأول مرة يأكل أجنحة وهياكل الدجاج، وهو ماأشترته الإبنة لغذاء اليوم كم كان طيب المذاق،
تدعو له الأم التى تشبه كثيرا أمه، والتي إشتم فيها رائحة الزعتر والمسك، كان لديه خوف من الزواج، والخوف ظل العائق الأكبر أمام تحقيق أشياء عظيمة، فالنساء لسن كلهن متشابهات،
الحياة تتشكل عبر مجموعة مصادفات، تصنع أحداثها دون تدخل منا،
لم تصدق وهو يطلبها للزواج المشروط، أن تنتقل والدتها معها لترعاها وطفله، بعد أن عرف أنها العائل الوحيد لأمها العجوز بعد وفاة والدها، تدمع عين الأم وتتبعها الإبنة، التي إرتدت ثوب الفرح المغزول من دمعات الأم، حكي عن أسباب طلاقه لإمرأة غير مسئولة غلبت مصالحها الشخصية علي مصلحة الأسرة وطفله،
تحركت يده لتحتضن كفها النابض والتى كانت فى إختلاجها، كما الطائر الصغير لتستكين، غمره الجو الأسري الدافئ وحبها لأمها، الطمأنينة والثقة، إبتسامتها تذيب الجليد وتنشر الإرتياح وتبلسم الجراح، وديعة وطيبة قادرة على عطاء ما تعجز نساء كثيرات عن إعطائه .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق