{ الْإِنْسَان وَالْمَسْؤُولِيَّة }
بِقَلَم عَلِيٍّ نَاصِرِ حُسَيْن الْأَسَدِيّ
مِنْ أَفْضَلِ مَا خَلَقَ اللَّهُ عَلَى وَجْهِ الْبَسِيطَة هُوَ الْإِنْسَانُ ، عِنْدَمَا يَتَحَدَّث الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عَنْ الْإِنْسَانِ يَتَحَدَّث عـن كَائِنٌ لَهُ حُرْمَةٌ وقدسية عَلَى هَذِهِ الْأَرْضَ .
وَعِنْدَمَا يُخَاطِبُه يُخَاطَب جِهَةٌ لَهَا كَرَامَة وَقِيمَة كُبْرَى : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى
وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (الإسراء / (٧٠) هَذَا الْكَائِن امْتَاز بِالْعَقْل وَالْإِرَادَة ، وَجَعَلَه خَلِيفَة يُحْمَل أَمَانَةٌ ، فَاسْتَحَقّ بِهَذَا التكريـم أَنْ يُخَاطَبَ بـالـوحي وَأَنْ تَلْقَى إلَيْهِ دُونَ سِوَاهُ كَلِمَة الرحمـن ، كَانَ مُحْتَرَمًا ومسؤولا ، فالمسؤولية تَعْنِي رَفَعَ قَدْرَ الْإِنْسَان وَإِعْطَائِه أَهَمِّيَّة وَقِيمَة ، فهـو لَيْس قِيمَة مُهْمَلَة ولاوجودا تَافِهًا فِي هَذِهِ الْحَيَاةَ ، بَلْ هُوَ كَائِنٌ يَمْلِك الْعَقْل وَالْإِرَادَة وَالْقُدْرَةُ عَلَى صُنْعِ الْقَرَار وَالِاخْتِيَار ، لِذَا كَان مَسْؤُولا ومحاسبـا عَلَى فِعْلِهِ ومواقفه
وَلَقَدْ تَحَدَّثَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الْمُطَهَّرَةُ عَنْ الْمَسْؤُولِيَّة وثبتها كأبرز رُكْنٌ مِنْ اركـان التَّعَامُل الْإِلَهِيّ مَعَ الْإِنْسَانِ ، فَجَعَلَه مَسْؤُولا إمَام اللَّه ومحاسبا عَلَى فِعْلِهِ : قَالَ تَعَالَى
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لجعلكم أُمَّةً وَاحِدَةً ولكـن يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ولتسئلن عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ، (النحل / (٩٣)
لَقَد ثَبَت الْإِسْلَام مسؤوليتين عَلَى الانسـان مَسْؤُولِيَّة فَرْدَيْه ومسؤولية جَمَاعِيَّة ، فَفِي مجـال الْمَسْؤُولِيَّة الْفَرْدِيَّة ، جَعَلَهُ مَسْؤُولاً عَنِ نَفْسِهِ : . بَلِ الإِنْسانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (القيامة / (١٤)
أَي مَسْؤُولاً عَنِ كُلِّ مَا يَصْدُرُ عَنْهُ مِنْ قَوْلِ أَوْ فعـل ، مَسْؤُولا إمَام اللَّه ومحاسبا بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : يَوْم الْعَدْل وَالْجَزَاء ، يَوْم الكشـف وَالْوَفَاء كُلُّ ذَلِكَ لِتَكُونَ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ اللَّهِ وَالْإِنْسَان مُبَاشَرَة ، تُعد الْمَسْؤُولِيَّة وَالْقُدْرَةُ عَلَى تَحَمُّلِهَا جُزْء هَام وأساسي مِنْ عَنَاصِرَ القِيادَة الَّتِي يَجِبُ تَوَافُرِها فِي كُلِّ شَخْصٍ تَضَعَه الظُّرُوف فِي مَوْضِعٍ تَحَمُّلُ الْمَسْؤُولِيَّةِ سَوَاءٌ الْخَاصَّة بِالْأَفْعَال أَوْ اتِّخَاذُ القَراَرَات أَوْ غَيْرِهَا ، وَيَجِبُ أَنْ يُتِمَّ تَرْبِيَة الْأَبْنَاء بِشَكْل تَدْرِيجِي على تحمل المسؤولية حتى يَكُونُوا رجالًا ونساءًا ذُو قُدْرَةٍ عَلَى القِيادَة وَتُحْمَل كُلُّ مَا يُؤَوَّلُ إلَيْهِمْ مِنْ مسؤوليات مُستقبلًا . يُحَاسَبُ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَيُشْعِرُهَا بِالتَّقْصِير وَالْمَسْؤُولِيَّة وَيُصَحِّح الْمَوَاقِف السَّلْبِيَّة مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ قُوّةٍ وَلَا سَلَّطَه مَادِّيَّة أُخْرَى لِئَلَّا يُفْقَد اهتمـامه واندفاعه الذَّاتِيّ وَيَفْقِد قِيمَتُه كَإِنْسَان مـدرك مُمَيِّز يَحْتَاجُ إلَى سَلَّطَه ترغمه وتحاسبه عَلَى فعـل الْوَاجِبِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمِ : قَالَ تَعَالَى { إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُون* وَالَّذِينَ هُم بِآياتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ* وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا أتواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ* أُوْلَـئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ* وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } (٥٧ـ٦٢) . تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلَى تَحَمُّلِ الْمَسْؤُولِيَّةِ هِي مُهِمَّةٌ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ ؛ فَلَيْسَ مِنْ الصَّحِيحِ أَنَّ نوفر كُلِّ شَيْءٍ لأبنائنا وَنَتَحَمَّل عَنْهُم كَافَّة المسؤوليات ، ثُمّ نَتْرُكُهُم بَعْدَ ذَلِكَ يواجهون صُعُوبَة الْحَيَاة دُونَ قَدْرِهِ عَلَى مُوَاجَهَةِ الْحَيَاة ومسؤولياتها
(ليس مِنَّا مَنْ لَمْ يُحاسِبُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ يوم فَإِنْ عَمِلَ حَسَنًا اسْتَزَاد مِنْه ، وَإِنْ عَمِلَ سَيِّئًا أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْهُ وَتَاب إليه) . الْمَرْء مَسْؤُول مَسْؤُولِيَّة كَامِلَةٍ عَنْ طَبِيعَتَه واختياراته وَعَن تَرْبِيَة أَوْلَادِه . أَن التزامك بِالْمَسْؤولِيَّة هُوَ جَوْهَرٌ الْمَسْؤُولِيَّة . حِينَمَا يَكُونَ الْإِنْسَانُ ذَا ضَمِير حَيّ تَتَوَقَّد عِنْدَه مشاعل الْمَسْؤُولِيَّة ، وَمِنْ هُنَا تَبْدَأ حُرِّيَّة الْإِنْسَان الْحُرِّيَّة تَعْنِي الْمَسْؤُولِيَّة وَلِهَذَا يَخَافُهَا مُعْظَمِ النَّاسِ . لِذَلِك يَجِب تَصْحِيح مَعْنَى الْحُرِّيَّة وَهِي تَعْنِي الْمَسْؤُولِيَّة لَا الفَوْضَى مِثْلَمَا يَعْتَقِد الْكَثِير مِنَّا ، فَعَلَيْنَا تَحَمُّلُ الْمَسْؤُولِيَّةِ الْكَامِلَةِ فِي كُلِّ نَوَاحِي حَيَاتِنَا ، ونتوقف عَنْ لُؤْمٍ الْآخَرِين ، وَاخْتِلَاق الْأَعْذَار .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق