مشاوير ...35...
_____________
توارى ركب مر أمامنا خلف مزرعة الفستق .كان الركب يضم ثلاثة جمال على ظهرها صناديق تسع لرجلين تغطيها غرائر واكياس أفرغت من محتواها .جاؤا بمحاذاة السهل أين الطريق الذي نمر به نحو البيت .ألقى أحدهم التحية قائلا. السلام عليك يابطل. رفعت هامتي قليلا لابد نصف رجل كامل بهيئته .ولم تمر الحيلة كما خططت لها ضحك مني الجميع وواصلوا مسيرهم بعيدا ..أمي أعجبها صنيعي قالت وهي تزيل البرقع عن وجهها ..أنت رجلي الذي أعتمد عليه .سوف أتحدث مع أباك في الأمر. .
مضت لحظات قطعنا خلالها مزرعة الزيتون بكاملها حتى وصلنا الهنشير. ماتزال بضع عجائز يقفن على التلال يراقبن بضع خراف تبعثرن على السفوح يتحسسن بأنوفهن عشب طري بين نبتات الشعال. .. إحداهن العمة عائشة. .كانت في طريقنا ونحن نمر بمحاذاة السفح .كانت تلهث من التعب .أصعب ما في الكون أن ترعى الجديان. هكذا قالت قبل أن تعانقها امي بحرارة. .ثم التفتت إلي. .هل صرت أفضل حالا الآن. لم أرد. أجلت بصري وأنا أبحث عن مرتعي قبل أن أمرض. الصخرة الكبيرة تجثم دائما إلى جوار المرقد المقدس لسيدي عمر .علمتني امي كيف أحترم قدسية الأماكن المقدسة .سألتها ذات مرة .ومن يكون سيدي عمر ؟ قالت بصوت حزين .لا أعلم لكن أباك يقول إنه من عرق طاهر .بالنسبة لي الناس جميعا ينحدرون من عرق نبيل منذ أن فتح عمرو إبن العاص شمال أفريقيا. صحيح أنني أحب الصعود إلى المرقد والجلوس على ذات الصخرة .ولكن أفعل ذلك لأنني ارتفع بضع أمتار عن الأرض لأرى الناس كما هم عليه .أردت أن أترك امي مع جارتها المسنة وأصعد إلى المكان لكن امي سرعان ما أدركت ذلك ..لا تبتعد هيا نذهب الآن. .
والدي كان جالسا في السقيفة .يدخن بشراهة حتى تجمعت سحب الدخان حول رأسه. .جئتم أخيرا. تعال أجلس إلى جانبي ..
كنت أظنه يسألني عن جدي ..لكنه قال التقيت مع المدير سألته عنك قال أنك بخير. .هل أنت بخير .قلت نعم ..
جائت امي بسفرة الطعام .غير أنني أحسست بالشبع فقال لي . رغائف التونه لن ترم عظمك واصل طعامك ..ثم رمى بالمغرف جانبا وأخرج زفرة ساخنة من صدره وقال ..في عام 53 كنت تلميذا في مدرسة الكوستا بينيتو ..كان معلمنا البيرتو مورافيا. حاز على نوبل فيما بعد .كان أستاذا زائرا أعطانا مادة الأدب لعام كامل ثم رحل ..كنا لا نعتمد على وجبة الإفطار التى تمنحها لنا وزارة التعليم. .ساندويتشات التونه المزفرة وعلب الحليب الذي طعمه يشبه طعم الكويتش. كنا نحمل طعامنا معنا ..خبز التنور ورقائق الجبن البلدي. .وأحيانا نغمس الرغيف في السمن حتى يشبع ونضعه في كيس صغير ليحتفظ بطراوته. .كنا أشداء. أقوياء وذاكرة مشعة ..هذا هو الفرق بيننا وبينكم ...ثم دخلت امي لتسالني عن يومي الذي مضى نصفه في المدرسة ..
______________________
على غالب الترهوني
بقلمي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق