الثلاثاء، 12 أكتوبر 2021

يسر بعد عسر؟. بقلم // أحمد علي صدقي

 يسر بعد عسر؟

لما تخرج من مدرسة المعلمين، وجد نفسه أمام قانون جديد لولوج المدارس العمومية و هو قانون التعاقد.. خاب أفقه. وأحس أنه لن يتوظف في حينه. فالتوظيف، أمست له شروط و مقاييس تجعل المتخرج وكأنه غريب عن مهنة التعليم.. لقد تهيأ لهذا وكان ينتظره  ولكن الذي لم يخطر له ببال وداهمه وقض مضجعه هو مصيبة مرض أبيه. إذ اصيب بمرض سرطان البروسطات و كثر تبوله فأصبح الابن همه كيف يعين أبيه و كيف يسهر على تمريضه؟ 

ظروف قاسية اعترضت طريقه فحرمته من الإحتفال بتخرجه كما كان يأمل، فما تذوق لذة نجاحه.. تعاقد يتطلب تدخلا، ومرض يتطلب مالا وتمريضا.. أثقال نزلت على كتفيه و نكدت عليه فرحته، أحجبت  عنه سعادة كم رسم لها وهو في المدرسة، من قرارات.. كان يعرف جيدا أن نيلها صعب و لكنه كان يعرف أيضا، في قرارة نفسه، أنه سيكون هو مصدرها إن أراد.. 

قضى أياما انفقها في الإهتمام بأبيه. تعب وما وصل لشفاءه.. 

مات أبوه، بعد موت أمه التي ماتت هي الأخرى تعبا من الجري في الطرقات بين بيوت الجيران لتنظيفها سعيا وراء لقمة خبز وتوفير دريهمات لتمويل دراسته.. اسودت الايام في نظره وأحس وكأنه سقط في بئر عميق يصعب عليه الصعود منه.. بئر الوحدة والفقر المدقع. تحمل ثقل التكوين ولما أتمه رأى بصيصا من نور بسرعة زال و وجد نفسه في عمق ذلك الجب المظلم، يشرب من مائه المالح ليزاداد عطشا لدرجة الانهاك.. 

بعد أن دفن أباه، قرر أن يبحث عن أذاة  يتقي بها شر ظروفه المادية التي تنخر قوائمه من الداخل والخارج.. بحث كثيرا وبعث سيرته الذاتية لكثير من المدارس عله يجد مخرجا من ضيق بطالته. لكن سدت كل الابواب في وجهه، فما وجد أمامه مفتوحا إلا باب التطوع المجاني لدروس الرياضيات بمدرسة حيه، لما طلبت منه جمعية آباء التلاميذ أن يدرس الرياضيات لقسم الباكالوريا مقابل دريهمات تجمعها له في آخر كل شهر.. فأبناءهم اصبحوا عرضة للضياع، بعد أن تخلى معلمهم عن الاهتمام بهم.. لحبه للتدريس و لإنسانيته رأى أن يقوم بهذا العمل حتى لا تضيع سنة دراسية من هؤلاء ويضيعومصيرهم، فتطوع  ليسد هذه الثغرة و يعطي هؤلاء التلاميذ حقهم وخصوصا و هم مقبلون على امتحان الباكالوريا في آخر السنة.. كان يحضر جل الحصص لكنه يتغيب بعضها للبحث عن عمل قار.. لكنه كان ملتزما بتعويضها يوم السبت والأحد لمن أراد الحضور.. 

لكن الذي حصل، أن اثناء غيابه كان مصدر ازعاج للمعلمة التي بالقسم المجاور لقسمه.. كان تلاميذه  يقومون بضجة وشغب يقلق هذه المعلمة الجديدة و التي هي أصلا في قلق من عدم انسجام  تلاميذها الذين يتكونون من ثلاثة مستويات، حارت في تسييرها.. كانت تحدث زوبعة في هذا القسم المجاور، تزعجها فتتوقف عن الدرس و تجلس على مكتبها تبكي من حظها المشؤوم الذي قادها لمدرسة بعيدة عن أهلها بعدة كيلومترات، جعلتها تستيقظ باكرا لتستعد للسفر مرتين في اليوم من وإلى المدرسة.. كانت تخبر هذا المعلم بما يحدث ولكنه ماذا يمكنه أن يفعله...

مرت أيام والأمور تسير على هذه الشاكلة والمعلم غائب وحتى المدير لم يحضر ليطرح عليه المشكل...

ذات مرة، حضر مفتش بغتة لزيارة المدرسة لتقييم عمل معلم الرياضيات. وجد الاستاذة  بالساحة. استقبلته وسألها عن قسم استاذ الرياضيات. سألها عن المدير أخبرته بأنه غائب وأنه لم يحضر منذ مدة ولا أحد منهم يعرف ما به. أهو مريض أم مسافر أم ماذا؟ تحدث مع المفتش وأخبرته بما يقع في هذا القسم من اهمال ومن غياب و من ازعاج يخل بالنظام و يمنعها عن تأدية عملها في أحسن الظروف.. دخل المفتش القسم وجد المعلم يلقي الدرس على تلاميذه.. أوقفه مزمجرا وموبخا من غير تحية ولا سلام. استمع، المعلم المتطوع، لما فاضت به أعصاب المفتش من إيماءات ورفع صوت و قلة مروؤة ومن مد وزجر رغوته في فمه. ولما انتهى أخبره بأنه مجرد متطوع وأن ما يقوم به هو من سبيل سد ثغرة قد تكون سبب ضياع هؤلاء التلاميذ.. 

استفسره المفتش حول ما قال ثم حياه بعد أن تفهم موقفه وأخذ منه اسم المعلم الغائب وإسم المدير لكي ينظر في أمرهما.. 

قبل أن يركب سيارته، جدب انتباهه عنوان مدرسة خصوصية فاتجه اليها ليزورها.. وجد بالباب حارسا فقدم نفسه له. كانت الساحة فارغة. دخل قسما من الاقسام. وجد معلما يلقي الدرس.  كان درسا في الرياضيات. اعجبته كيفية الإلقاء.. سأل المعلم عن اسمه فإذا به هو اسم المعلم الذي يتغيب عن القاء الدروس بالمدرسة العمومية. قال له: عنك أبحث. أأنت هنا، تتغيب عن صفك في المدرسة العمومية لتلقي دروسا بهذه المدرسة الخصوصية؟ شيء غريب! كيف يحلو لك أن تفعل هذا؟ أجابه المعلم بعد أن قطب جبينه: لقد استجبت لأوامر مديري وليس لدي الاختيار. قال: كيف ذلك؟ أجاب: مديري بالمدرسة العمومية هو أبي وهو مديري بهذ المدرسة وهو من ارغمني على التدريس هنا. أخذ المفتش رأسه بين يديه وقال: يا الله. يا الله.

لقد حيرتني يا هذا. ما تقوله شيء غير منطقي و لا يقبله العقل. أجاب: بل هو كذلك وما عليك لتتأكد إلا أن تسأل المدير. قال المفتش: أي مدير هذا وأي معلم وأي مدرسة؟ لم أعد أعرف من المدير ولا من المسؤول عن هذه المخالفات. أهو أنت الذي تنال اجرك مرتين؟ أم المعلم المتطوع الذي يعمل بالمجان؟ أم المدير المكلف بتسيير هذه المدرسة وانشغل بتسيير مدرسته؟ أم أنا، المفتش الذي لا خبر لي عن ما يقع بهذه المدرسة؟ ثم خرج فورا وركب سيارته تاركا وراءه مشكلا طالما أزعج  المدارس العمومية و وراء سيارته دخانا ازعج حارس المدرسة الخصوصية.

مر أسبوع، فجاء قرار بتوقيف المدير والمعلم ابنه، وقرار ينص على ترقية المعلم المتطوع كمدير للمدرسة..

بعد كد وصبر،فتح الله باب العمل للمعلم، وأتى يسر بعد عسر.. سعد بالقرار وشكر الله ورفع كفيه للسماء ليهدي المعلمة لتقبل طلب يدها للزواج... 

أحمد علي صدقي/المغرب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق