عروس اللغات
بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية أخذني الوفاء لزيارة بيت اللغة العربية،و قد تجشمت السفر إليها رغم بعد المسافات، لكن حق الوفاء شدني إليها. و إني أعلم حالها ، فقد أضحت غريبة بين أهلها، غريبة في دارها، وقد تنكر لها الأصحاب الأهل و الخلان، و قد استبدلوها بضرة استوردوها من وراء البحار، فباتت الأصيلة تطلب الخلاص و تستجدي النصرة من أبنائها، و قد ألمت بها الملمات، و قد كانت سيدة الدار قرونا عدة، فمتى تكون بنت الدار هي سيدة مصانة الحقوق كما كانت في عصر الزهور و الازدهار ؟!
و أنا في طريقي إليها تذكرت جمالها الأخاذ، الذي أسر الشعراء و الأدباء، تذكر ت لغة العواطف و المشاعر .
كيف ننسى لغة خصها الله لتحضن الوحي ، لتحمل البشائر و الهداية للحيارى، كانت العروس المختارة من بين جميع لغات الدنيا ، لتزين المصحف بٱيته الكريمة، فكانت بلا فخر لغة القرٱن الكريم، لغة عزة الأمة و فخرها .
(( إنا أنزلناه حكما عربيا )) ...{ قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }
كانت بلا فخر مربط وحدة الأمة ، فتجانس الأمم و الشعوب فإنما تصنعه وحدة اللسان، و إن كل تفرق مبعثه اختلاف اللسان، فكانت اللغة العربية عبر العصور من أهم عوامل الوحدة.
أما إذا اخترنا الجمال و الذوق، و الحس المرهف، فالعربية احتلت المكان بلا منازع ، لأنها لغة رصعت بالجمال الخلاق، فكانت من الثراء و الثروة أوفر للغات بالمفردات، و أكثرهم إحاطة بالمعاني، فكانت بذلك مصدر إلهام للمثقفين و الأدباء و العلماء، فمكنتهم من الإبحار في دروب الفكر و الفقه و الحساب و للعلوم و الجغرافيا و الطب، و كل صنوف العلم.
المؤسف أننا أصبحنا في زمن نجد كثيرا من أبناء جلدتنا عز عليهم، أن يتواصلوا بها في المحافل و الملتقيات ، بل المؤسف أنهم وزراءنا و نوابنا و مثقفينا يعقون لغة الضاد، و يجعلون لها ضرة و غريمة، فتجدهم يحسنون ويتقنون لغة المستضمر، قراءة وكتابة و تدوينا ، و ألسنتهم ملفوفة لا تفك أبسط كلماتها ، و يزيد الأسف و الحسرة أن تجد غير متحدثين بالعربية يبذلون الوسع و قصارى جهدهم فى تعلمها و تعليمها .
و في الطريق تذكرت ما كتب الأديب الشاعر حافظ إبراهيم في حقها فاقتطفت من روضها بعض أبيات تسبي النظر لجمال لغة حق لها أن تكرم بين أبنائها و في أوطانها.
قال فيها:
رَجَعْتُ لنفْسِي فاتَّهمتُ حَصاتِي
وناديْتُ قَوْمِي فاحْتَسَبْتُ حياتِي
رَمَوني بعُقمٍ في الشَّبابِ وليتَني
عَقِمتُ فلم أجزَعْ لقَولِ عِداتي
وَلَدتُ ولمَّا لم أجِدْ لعرائسي
رِجالاً وأَكفاءً وَأَدْتُ بناتِي
وسِعتُ كِتابَ اللهِ لَفظاً وغاية
ً وما ضِقْتُ عن آيٍ به وعِظاتِ
فكيف أضِيقُ اليومَ عن وَصفِ آلة
ٍ وتَنْسِيقِ أسماءٍ لمُخْترَعاتِ
أنا البحر في أحشائه الدر كامن
فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي
فيا وَيحَكُم أبلى وتَبلى مَحاسِني
ومنْكمْ وإنْ عَزَّ الدّواءُ أساتِي
فلا تَكِلُوني للزّمانِ فإنّني
أخافُ عليكم أن تَحينَ وَفاتي
أرى لرِجالِ الغَربِ عِزّاً ومَنعَة ً
وكم عَزَّ أقوامٌ بعِزِّ لُغاتِ
أتَوْا أهلَهُم بالمُعجِزاتِ تَفَنُّناً
فيا ليتَكُمْ تأتونَ بالكلِمَاتِ
أيُطرِبُكُم من جانِبِ الغَربِ ناعِبٌ
يُنادي بِوَأدي في رَبيعِ حَياتي
ولو تَزْجُرونَ الطَّيرَ يوماً عَلِمتُمُ
بما تحتَه مِنْ عَثْرَة ٍ وشَتاتِ
سقَى اللهُ في بَطْنِ الجزِيرة
ِ أَعْظُماً يَعِزُّ عليها أن تلينَ قَناتِي
وصلت بابها مأسورا بجمالها، أحمل أملا أن تستعيد لغتي مكانتها فتحتل الريادة، فتكون لغة الفكر و العلم و المناظرة و القلم و الإدارة،
وصلت بابها أملي ان تنال المكانة المرموقة في قلوبنا ، فنخدمها و، فننافح عنها ، فندفع عنها لؤم الأعداء و كيد المتٱمرين ، كيف لا و هي لغة أهل الجنة و لغة القرآن .
الأستاذ حشاني زغيدي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق