انتشار الفضائيات وتأثيرها على البيئة والمجتمع .
بقلم الكاتب الاعلامي :
أنور ساطع أصفري .
***************************************************************************
عندما نتحدث عن الفضائيات وكمّها ، أو عن مواقع التواصل الاجتماعي وحجمها ، أو الأجهزة الاعلامية بشكلٍ عام ، فإنما نتحدث عن الإعلام النزيه ، وبنفس الوقت عن حملات التضليل التي تقوم بها الأجهزة الاعلامية المشبوهة .
حيث أن المشهد الاعلامي على الساحة العربية المترامية الأطراف بشكلٍ عام غنيٌّ بأمواجِ الفوضى ومن كل الاتجاهات ، فليست هناك ضوابط مهنية أو أخلاقية أو إنسانية أو حتّى وطنية وقومية .
فالفضائيات العشوائية تماماً مثل صفحات الانترنت ، حيث أن النشر على المواقع إعلامياً لا ضوابط له ، فكل من يريد أن ينشر إشاعة أو كل من يريد أن يخترع أو يُلفّق خبراً ما فإنه يستطيع فعل ذلك وبدون ضوابط ، حيث يُحقق ما يُريد ، وهناك من يُساعده على فعل بعيداً عن أخلاقيات وأدبيات المهنة الاعلامية .
طبعاً آخذين بعين الاعتبار أن أكثر الفصائل العمرية تضرراً من هكذا واقع فوضوي إعلامياً هم الأطفال والنشىء ، حيث أن الفضائيات موجودة في كل بيت وباستطاعتها الوصول إلى كل فرد ، بعيداً كل البعد عن أي شكلٍ من أشكال الرقابة .
قولاً واحداً ، إنّه مرضٌ صامت وخطير ، وكل اللذين يصرخون ناقدين هذه الفوضى الفضائية إنما صرخات تتحوّل إلى سراب ليس إلاّ . وهذا من شأنه أن يؤثّر سلباً على وعي النشىء وفكر النشىء وتربيتهم ، فهناك أجندات مشبوهة إعلاميّاً تُمرّر على المنطقة بهدفِ مسح تقاليد وثقافة شعوب هذه المنطقة وأخلاقياتها ، فهذه الأجندات المشبوهة والشريرة لا تقلّ خطراً عن أسلحة الدمار الشامل ، حيثُ أن ما تبثّه بعض الفضائيات هو بمثابة سموم لتهديم البنية الاجتماعية والفكرية والحضارية لهذه الشعوب .
فالاطفال والمراهقون الشباب والإناث هم في خطر ، حيثُ أن هدف الآخرين هو إبعادهم عن قيم وأخلاق هذه المنطقة ، مقابل ملايين الدولارات التي تهدف إلى تفسيخ أخلاقيات وبنية المجتمع .
أُضيفُ إلى ذلك إلى أن مشاهد العنف والتفسخ الأخلاقي الذي تبثّه بعض الفضائيات يُسهم إلى حدٍ بعيد في إنحراف السلوك لدى المشاهدين من المرضى والمراهقين والأطفال ، وبالتالي هناك استجابات أو إستعداد لدى الكثير من أجل الانحراف والإنجراف مع التيار .
كما أن هناك صور كثيرة من الفضائيات المشبوهة ترتسم في عقلية المتلقي الذي يتولّدُ عنده حب العنف والانحراف وممارسته .
فالقنوات الهدّامة إنما تستهدف في المقام الأول الأطفال والمراهقين ، وهذا مُخططٌ وفق تصويبٍ مُحكمٍ نحوهم ، حتّى لا يصبحوا أسوياء لأمّتهم التي تُعاني اليوم ما تُعانيه من جرحٍ نازفٍ ، حيثُ أن أذهان الأطفال والمراهقين هي بمثابة مستودع لكلِ شيءٍ يُشاهدونه سواء كان نافعاً أو ضاراً ،
ونستطيع أن نقول بشكلٍ أو بآخر أن الكثير من الفضائيات أصبحت تحلّ محل الوالدين في تربية الطفل والنشىء الجديد ، بل حلّت محل المدرسةِ أيضاً ، فمحطات التلفزة لا تتوقّف ، والقنوات الفضائية تتسارع ، وتتصارع في خطواتها ، بحيثُ أصبحت المادّة الموجهة للمجتمع وللأطفال من أخطر الصناعات الاعلامية في العصر الحالي ، ولا شك أن هذا التوسّع المذهل في تجارة التسلية الموجهه للأطفال يُخفي الكثير من المخاطر والسلبيات ، فهدف الآخرين المأمورين من الغرب توجيه النشاطات إلى ثقافةٍ غربية ، وجلّ همّها الجري وراء الربح دون أي اهتمام بالقيم وبالاخلاق وبإنسانية الانسان ، حتّى الغناء اليوم لم يعد مرتبطاً لا بالكلمة ولا باللحن ولا بالصوت ، إنّما الغناء اليوم هو لمنتج فيديو كليب هابط ، وهذا هو السائد .
إن الاستعمار الالكتروني الاعلامي يُساهم في إحباط وتشويه سلوك شعوب المنطقة وأدبياتها ، وكثيرٌ من ثوابت المنطقة تتلاشى والبقية باتت مُهددة .
هناك إحصائيات تؤكّد أن الشباب يهدرون أفضل فترات عمرهم في أفلام الكرتون والأفلام المدبلجة ، وفي الألعاب ، ويهدرون يومياً ساعاتٍ طوال على هذه الأمور ، بدلاً من الاستفادةِ منها في خدمة الاسرة والوطن والمجتمع والانسان .
بكلّ تأكيد أن الفضائيات تُعتبر من أخطر الوسائل تأثيراً على الشعوب ، وبإستطاعتها الوصول إلى أي مكان وكل فرد ، يستوي في ذلك الغني والفقير ، المتعلم والأمّي ، والصغير والكبير ، فهذه الفضائيات لم تعد مجرد لنقل المعلومة والخبر ، بل أصبحت تُسهم فعلياً في تكوين الحياة في أبعادها السياسية والثقافية والاجتماعية والتربوية ، لِما لها من قدرةٍ على التأثير في الاتجاهات لدى الأفراد والجماعات أو تعديلها أو تغييرها .
وسلبيات وايجابيات هذه الفضائيات تكمن وترتبط بطبيعة استخدامها ، وجميلٌ أن نرى الحسّ الوطني والقومي على فضائياتنا ، وجميلٌ أيضاً أن نحصل على معلوماتٍ مفيدة عن دولِ العالم ومن مختلف القارات ، وأن نتعرّف على عالم الحيوان وعالم البحار ، وعالم النبات والأشجار أو الطبيعة .
التوجّه الملتزم هو ضد الفضائيات التي تُساهم في إشغال الفرد والأمّة عن أداء واجبات مهمّة ، فإدمان مشاهدة مسلسلات الفضائيات هو أشدّ خطراً من إدمان المخدرات . وضد الفضائيات التي تُساهم في نقلِ أخلاقيات شاذّة ومنحرفة إلى مجتمعنا ، وتأصيل الأنانية وحب الذات ، وإضعاف الروح الجماعية ، وقطع الأرحام ، وبثّ العداوة والفتنة والكراهية .
فلا بُدّ من إصلاح الاعلام بشكله الواسع المقروء والمسموع والمرئي بهدف الالتزام الوطني والاجتماعي والاخلاقي والانساني لهذه الأجهزة ، واستقطاب كل الاعلاميين ذوي الخبرة ، ورفض سياسة الاقصاء أو الابعاد في أي مجالٍ من مجالات الحياة وخاصّة فيما يتعلّق بالواقع الاعلامي .
فنحن بأمسّ الحاجة إلى صحوةٍ وطنية ، إلى صحوةٍ أخلاقية ، وثقافية وإعلامية قبل فوات الأوان ، ومن خلال هذه الصحوة نستطيع إعادة بناء الأفراد بما يمكّنهم من التصدي لمسؤوليات عصرهم ، وتحقيق آمالهم المتجددة ، وأهدافهم ، وبالتالي نستطيع الحفاظ على الهوية والقيم والثوابت الوطنية والقومية من الضياع بشكلٍ نهائي .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق