التخصصات العلمية العليا ومدى استغلالها عربياً .
بقلم الكاتب الاعلامي :
أنور ساطع أصفري .
***********************************************************************لا بُدّ لي إلاّ أن أقول أن التخصصات العلمية العليا بغضِ النظر إن كانت جامعيّة بمعنى بكالوريوس أو دكتوراة أو بروفيسور وفي أي مجالٍ كان ، لوحدها لا تكفي ، بمعنى يجب أن تتوفّر مناخات معيّنة للإستفادة منها بالشكلِ الأمثل .
وعلى سبيل المثال ما معنى أن يكون لدى دولةٍ ما ، مجموعة من المتفوقين ويحملون شهاداتٍ عليا في مجالِ الري والعنفات المائية وبنفس الوقت هذه الدولة ليست لديها الامكانيات المتوفّرة لتأمين عملٍ مناسب لهم .
لذلك نرى أن الكثير من الأدمغة العربية تلجأ إلى الهجرة ، قد يكون لأسبابٍ داخلية ، أو لأسبابٍ تتعلّق بالتقدم العلمي أو الثورة التكنولوجية عند الغرب .
ومن الأسباب الداخلية نرى في بداية الأمور عدم توفّر فرص العمل اللازمة والمناسبة للإختصاص المحمول من قِبل صاحبه ، وعلى ما يبدو أن الدول العربية غير معنيّة بالاستفادة من هكذا اختصاصات وتأمين مجالات عملٍ لأصحابها ، لذلك يجد الخريجون أنفسهم ضحايا البطالة ، ولتأمين لقمة عيشهم نراهم ينغمسون في أعمالٍ لا تتناسب ومستوى تحصيلهم العلمي ، وينتج عن هكذا وضع شعورٌ بالاحباط واليأس لدى هذه الكفاءات ، ويُصبح بالتالي قرار الهجرة مُباح لأسبابٍ ذاتية وموضوعية ، أمّا اللذين يبقون في ديارهم فتصيبهم مرارة الواقع الأليم ، وهم يرون كيف أن الدولة ومؤسساتها ، وكذلك القطاع الخاص المتقدم كلهم يحملون مؤهلاتهم العلمية ، ويشعرون بالمرارة أكثر عندما يجدون أن تلك القطاعات تستعين بخبراء أجانب لقضايا تتوافر فيها الكفاءات اللازمة محليّاً .
لذلك نرى أن الكفاءات والاختصاصات العلمية التطبيقية في بلادنا تتحوّل سريعاً إلى اختصاصات نظرية لأنهم لا يُمارسون عملهم المطلوب .
وهذا أيضاً ينعكس على ذوي الكفاءات أو العلماء والباحثين بحيث يتراجع مستواهم العلمي ويقفون عند حدٍ معيّن بقدراتهم المعرفية .
كما يُشكّل الواقع السياسي عنصراً مهماً من عناصر هجرة الأدمغة ، فمعظم البلاد العربية تعيش حالةً من عدمِ الاستقرار ، أو هناك اضطرابات سياسية أو حروب أو أمور أخرى ، وكل ذلك يتسبب بعدم الاستقرار في الدولة والمجتمع ، وبنزيف أهل العلم والفكر الذي يحتاج إلى الأمن والأمان كي يستطيع أن ينتج .
وخلال 11 سنة الماضية شهدت المنطقة العربية موجات هائلة من نزوح الأدمغة العلمية .
كما أن واقع حرية الرأي والتعبير شبه الممنوع في المنطقة العربية هي أيضاً أمور ذات أهمية كبيرة ، حيث يحتاج فيها الباحث إلى الحرية في البحث والتحقيق وتعيين المعطيات وإصدار النتائج .
وبشكلٍ آخر ، نستطيع أن نقول أن الدول العربية تتعاطى مع الأرقام والاحصائيات والنتائج بصفتها معطيات سياسية تؤثّر على موقع السلطة ، فهناك أنظمة غريبة تدخّلت لمنع إصدار نتائج أبحاث أو دراسات تكون الدولة قد صرفت مبالغ كبيرة لانجازها ، وذلك خوفاً من أن تؤثّر نتائج هذه الدراسات في الوضع السياسي القائم .
ونحن هنا حينما نتحدّث عن أدمغة علمية أو كفاءات إنما نعني كلّ ذي مهارة إبتداءً من مستوى العامل المتخصّص الخبير وصولاً إلى العالم المتميّز .
فهناك ذوي خبرة من أصحاب المهن الحرّة مثل الأطباء والمهندسين والاقتصاديين والمحامين ، وفنيّون من خريجي الكلّيات ، وعمال مهرة اللذين نالوا خبرة فنيّة متخصصّة في مجالٍ حيوي ما ، وليس بالضرورة أن يكونوا من حملة الشهادات الجامعيّة .
ونؤكّد هنا أن ظاهرة عدم الاستقرار السياسي ومنذ سنوات طوال في المنطقة العربية ، وعدم استقرار الوضع الاقتصادي ، تُشكّل سبباً رئيسياً لهجرة الكفاءات ، والتي بالاساس قد تكون في محل عدم الثقة نتيجة ما تحمله من أفكار وآراءٍ متطوّرة ، لذلك يشعر أصحاب الكفاءات بالقلق والاضطراب والخوف على مستقبلهم .
فمعظم اللذين هاجروا يرفضون العودة إلى بلادهم بسبب تدني الأجور ، وتدني حرية الرأي ، وتقييد الحرية السياسية .
فأصحاب الكفاءات يحتاجون إلى مناخٍ هادىٍ يُتيح لهم الابداع والابتكار والعطاء بشكله الأمثل ، لذلك فقدان الاستقرار السياسي والاقتصادي يخلق حالة لا تنسجم مع ما يحتاجه العلماء من أصحاب الكفاءات .
العالم كله اليوم يعيش عصر التقدم العلمي والتكنولوجي والمكننة والحاسوب وأحدث وسائل إتصال واتصالات ، وهذا الواقع يتطلب توفير أشخاص على مستوى عالٍ من المعرفة والخبرة والمهارة والتخصص والكفاءة لتغطية هذا الجانب ، ولكن عندما نرى ان الكثير من العلماء والمهندسين وذوي القدرة على التعامل مع العلم والتقنية الحديثة المتطورة جداً يبتعدون عن بلادهم ، نرى أن تلك البلاد تُصاب بالتخلف النسبي وتتراجع ، وتتكرّس لديها التبعية التكنولوجية للدول المتقدمة .
في دراسةٍ أصدرها مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أشارت إلى احصائيات عن هجرة الكفاءات ، وقالت إن العالم العربي يُساهم 33 % من هجرة العقول إلى الخارج ، وأن الخسائر الاقتصادية تُقدّر في الوطن العربي بحدود 215 مليار دولار ، نتيجة هجرة الكفاءات ، وأن ربح الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة من جرّاء هذه الهجرة هو 8 مليارات من الدولارات .
وبالمقارنة ما بين الخارج والوطن نرى أن الرواتب جيدة وأحياناً مرتفعة في الخارج ، وهناك احترام للوقت وللنظام ، وأن الخدمات جيدة في الخارج مثل السكن والنقل والصحة وما إلى ذلك من أمور . بينما في الداخل غالباً عدم توفّر فرص العمل المناسبة ، والأجور متدنيّة جداً .
فمن أجل استقطاب ذوي الكفاءات بشكلٍ جيد ، لا بُدّ من توفّر مناخ سياسي مستقر ، وبالتالي مناخ اقتصادي آمن وثابت وإطلاق الحريات .
ولا بد من توفّر الحرية الفكرية ، وتوفير الحماية للعلماء وأصحاب العقول والكفاءات ، وتهيئة الأجواء الآمنة لهم ، فتجارب البلدان المتقدمة أثبتت أن التطور والبناء الحضاري لا يتحقق من خلال المستلزمات الماديّة فقط ، إنّما الأهم الموارد البشرية ، والصفوة ذات الاختصاص والخبرة ، ولا بد من توفير امتيازات وحوافز خاصّة لهؤلاء المتخصصين ، تسهل لهم أمورهم الحياتية .
نؤكد ونقول أن أهم عناصر البيئة المُحفّزة للعلماء وأصحاب الكفاءات والمبدعين هي توفير مجال الحرية في الحركة والتعبير ، وعدم ربط أصحاب الكفاءات بالشأن السياسي وتمجيد السلطان .
حيث نرى في المجتمعات الغربية أنها تنأى بالشأن التعليمي والعلمي عن الشأن السياسي .
لذلك يرى أصحاب الكفاءات اللذين يُهاجرون الى الغرب ، أن الدول الغربية توفّر لهم الكرامة الانسانية التي لا يجدونها في أوطانهم التي تُعاني بالأساس من سوء توزيع الثروة الوطنية ، ومن الفساد المستشري في كل مكان ، ومن سرقة المال العام ، ومن خندقٍ عريض يفصل السلطة عن المواطن .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق