الخميس، 23 يوليو 2020

قصة حمراء الشعر بقلم / رعد الإمارة

قصة   ( حمراء الشعر/ج٢) 

كانت شقيقتي الصغرى أوّل من أرتمى في أحضاني بعد عودتي من بغداد، لقد مضى شهرٌ كامل منذ أن صافحتْ عيناي تلك الوجوه الحبيبة، أدارتْ حولي ذراعيها الرفيعتين وهي تهمس :
-لن تدخل قبل أن تضع زجاجة العطر في كفّي. ضَحكتْ كمن تعرف أنها المدللّة كونها آخر العنقود، ابتسمتُ لها وفَتحتُ الحقيبة، راحتْ تحملق مبهورة في أصابعي التي أمتدّتْ سريعاً،لم تمهلني،بل أختطفتْ العلبة بأسرع من لمح البصر، ثم غابتْ في الداخل.كان أبي موجوداً هذه المرة، وجدته يتناول طعام الغداء مع شقيقاتي وأمي، ارتميتُ في احضانه،أخذتُ أقبّل يديه وأنا استنشق رائحة الحنان التي لطالما غمرني بها، قبلّتُ أمي في رأسها، حاولتْ أن تنهض لتجلبَ طعاماً لي بنفسها، منعتها وأنا أختطفُ من بين اصابعها قطعة صغيرة من خبز التنّور الشهي الساخن ،الذي تَتفننْ في إعداده، جذبَ أبي طرف بنطالي، أجلسني بجانبه، كنت أماثله بالطول تقريباً، راحتْ بعض شقيقاتي يتهامسن بضحكٍ متقطّع ،وعيونهن تلمعُ بفرحٍ غريبْ، كنا نجلس أنا وأبي متلاصقان الكتف للكتف وكأننا شقيقان تماماً. أخذتُ أردُّ على أسئلة أمي المتتابعة حول دراستي،راحتْ تواصل اسئلتها بلهجتها الريفية العذبة وهي تحدّق في أثناء ذلك بملامح أبي التي كان يلوّنها الفخر والاعتزاز بصورة واضحة، وضع أبي أمامي قطعة كبيرة من صدر الدجاج، لكزني بمرفقه وقال ضاحكاً وهو يتحدث إلى أمي :
-أصبح أبنك هزيلاً، عليكِ بالتعويض عليه.راح أبي بعدها يمتصُ أصابعه الواحد تلو الآخر،مما علق بها من طعام، كانتْ تلك طريقته قبل النهوض عن المائدة، نهضتْ أمي سريعاً، فاحتْ من المطبخ رائحة الشاي المعد سابقاً، كان أبي يفضّلُ احتسائه من بين يديها فقط، واصلتُ أنا وشقيقاتي تناول طعامنا، أنضمّتْ شقيقتي الصغرى،التصقتْ بشقيقاتها الأخريات، عبقتْ رائحة شذا الياسمين وملأتْ الجو ، تَصاعدَ همس البنات مع بعضهن، سمعتها تعدهن ببعض نفحاتْ من عطرها الأخّاذْ ، حٌدّقتْ في وجهي واتسعتْ ابتسامتها، فيما تصاعد من غرفة أبي همسٌ وضحكٌ مشتركْ. كان أبي قد أودعَ مصروفي الشهري لدى والدتي، أنحنى قبل التحاقه بعمله كحارس في إحدى مؤسسات الدولة، همس لي :
-لن تكون موجوداً عندما أعود، سأقبلّكْ منذ الآن.كانت تلك المرة الأولى ربما ،التي أفصحَ فيها أبي عن مشاعره بصورة مباشرة، كدتُ أبكي عندما لثمَ خدّي، فَكرتُ بأنها قد تكون أعظم مكافأة تلقيتها بسبب تفوقي في الامتحان.شَعرتُ بعد ساعاتٍ من النوم العميق ،بحركة عند طرف سريري، كنتُ أعرف بدون أن أنظر أنها شقيقتي الصغرى، فشذا الياسمين أخذ يداعبُ أنفي! رحتُ أتمطى في سريري ، وأنا أشعر بوجعٍ في كل أعضاء جسدي، ساعات السفر كانتْ مرهقة جداً، وَضعتْ شقيقتي يدها على جبيني، عَقدتْ مابين حاجبيها، رحتُ أنظر في ملامح وجهها بأهتمام، للحظة تخيلتها طبيبة، ابتسمتُ لنفسي وتنهدّتْ، طَردتُ الفكرة عن ذهني، وفي سرّي لعنتُ الريف وبعض عاداته السيئة، قالتْ :
-لستَ محموماً، لكني سأجلبُ لكَ الشاي، ثم سأحدثك عن صديقتك ذات الشعر الأحمر . قالتْ هذا ثم انطلقتْ خارجاً كالصاروخ، تباً لها، منذ متى أصبحت صديقتي؟ هَمستُ لنفسي وأنا أهزُّ رأسي متعجباً من خيال شقيقتي الجامح. كان البخار الساخن يتصاعد من كوب الشاي، أخذتْ شقيقتي تنقله بين يديها وهي تعضُّ على شفتيها، أزحت غطاء الفراش جانباً وأسرعتُ إليها مهرولاً، آه، ياللمسكينة، احمرّتْ أصابعها، وَضعتُ الكوب على الطاولة قرب سريري، أمسكتُ بكفيها ورحت أنفخُ فيهن ،سرعان ما سَحبتْ اصابعها، قالت :
-اختفى الألم، لكن مازالَ عليكَ أن تدفع الثمن.
-أي ثمن؟ ألم أحضر لكِ العطر! آه كم هو طيب ،انظري. رحتُ أشمُّ الهواء وأنا أدور حول نفسي، اعترضتْ طريقي، أمسكتْ بكتفي بيديها الصغيرتين، هَمستْ وهي تستعرض ثوبها كعارضات الأزياء :
-صديقتك لديها بضاعة جيدة وجديدة ، قطع قماش ملوّنة بأزهار ناعمة وطرّية، أظنها حقيقية! أعني الأزهار، شالات ومواد تجميل، كل هذا لديها. 
-هل استغنتْ عن مهنة بيع السمك.هَتفتُ بها وأنا مندهش، هزّتْ شقيقتي رأسها، وهي تجلس على حافة السرير، قالت هامسة :
-المسكينة، أن لديها ابنتين، صبيتين صغيرتين، قالت أن زوجها قُتلَ في مشاجرة، بسبب نزاع حول المواشي.أخذتْ شقيقتي تحدّقُ في وجهي، وهي تهزُّ رأسها أسفاً، شاركتها أساها وأنا أربّتُ على كتفها، اقتربتُ منها، طلبتُ كوباً آخراً من الشاي، لكني وعدتها بأن أبتاع لها ،أفخر قطعة قماش لدى الصبية هذه .كنتُ نائماً عندما ايقظتني شقيقتي ، ارتدّتْ للخلف وهي تموء مثل قطة ماكرة، هَمستْ وهي تتلفّتْ خلفها :
-عليكَ أن تأتي بسرعة، أمي تساوم صديقتك هناك عند الباب، لديها بضاعة تخطف الأبصار. راحتْ تتنفّسُ بسرعة، كنت أعلم من خلال لهفتها هذه أنها تطمع بهدية أخرى، ازحت الغطاء كالعادة، سارتْ هي نحو النافذة وفتحتها على مصراعيها، لفحني هواء الصباح البارد المنعش، مشيتُ خلفها، هَمستْ بأذنها :
-أذهبي أنتِ، سأتي بعدك، فقط امنحيني فرصة لأغسل وجهي. 
-لا تتأخر، أرجوك. انطلقتْ مثل الصاروخ، هَززتُ كتفي هامساً، يالها من شقية. لم تلتفتْ أمي ، حين دَنوتْ ووقفتُ فوق رأسها، كانت مشغولة تماماً في انتقاء بعضاً من قطع القماش لشقيقاتي ولها، لكن الصبيّة تَوهجتْ ملامحها وبَرقتْ عيناها، حينما التقتْ أبصارنا، كان ثمة عتابٌ خفي لمحته يومض سريعاً في عينيها العسليتين،أخذتْ اصابعها تَعبثُ بقطع القماش بأرتباك واضح،أما أمي فقد انشغلتْ بحديث جانبي مع إحدى جاراتنا العجائز، التي اصطَحبتْ هي الأخرى واحدة من حفيداتها الخجولات، أمتدّتْ أصابع شقيقتي الصغرى نحو قطعة موشّحة بالأزهار يبدو أنها راقتها ، وضعتها بين يدي ثم راحتْ تتحسسها وهي تقول :
-مارأيك بهذه؟ أنها تعجبني جداً. حدّقتُ في الأزهار ،تَحسّستُ الملمس الناعم والبارد للقماش، قلتُ لها بصوتٍ حاولتُ أن يبدو واضحاً وقوياً، فيما كان بصري معلقاً بالعيون العسلية الذائبة :
-جميلة جداً، أنها ناعمة، وطرّية، مباركُ لكِ. راحتْ شقيقتي تَضحكُ بجذل وهي تصفّق بيديها، أما ذات الشعر الأحمر فقد اتسعتْ ابتسامتها وغضّتْ من بصرها.قَطعتْ أمي حديثها مع الجارة العجوز، رَفعتْ بصرها ورَمقتْ شقيقتي العابثة بنظرة صارمة، اختبأتْ هذه خلف ظهري وهي تواصل الضحك، لكن بصوتٍ مكتوم، سألتُ أمي عن ثمن قطعة القماش التي أحملها بين يدي، رَمشتْ بعينيها في وجهي، أمالتْ رأسها تبحثُ بفضول عن شقيقتي الصغرى المختبئة خلفي، قالتْ وهي تحدّق في عيني الصبية  :
-ادخل أنتْ ،أنا سأدفع، وخُذْ معك شقيقتك لتجهّز لكَ الفطور،سأتي بعد لحظات. قبل أن أستدير مصطحباً شقيقتي الصغرى، حدقّتُ في الصبية المزمومة الفم ، تَنهدّتُ بصوتٍ مسموع، مما جعل أمي ترفعُ حاجبيها،  وهي تدير النظر بيننا بدهشة.لم تحضر ذات الشعر الأحمر في اليوم التالي،ولا في اليوم الذي تلاه، كنتُ أتمنى سؤال شقيقتي عنها، لكن الحياء كان يقيدّني، رغم ذلك فقد كنتُ أدرك، أنه لو كان ثمة أخبار عنها، لعرفت بسهولة، فشقيقتي الصغرى لاتبخل عني بهذا الجانب، إنها حائرة مثلي، ترمقني بنظرات تائهة، وكأنها تقول، سامحني ليس لديّ أخبار، لاعنها ولا عن غيرها. حاولت إشغال ذهني في المذاكرة والكفُّ عن التفكير بها، لكن لا أعرف مالذي جرى هكذا فجأة لي، كان ثمة شيء مثل السحر في عينيها،  نداء أشبه بنواح الحمائم، مشبّع باللهفة والوجع، كان النداء هذا قد أخذ يسرق  النوم من عيني،وقد لاحظت أمي كثرة تقلبي في سريري، عندما كانت تتفقدني ليلاً، حتى أن عيناي الوارمتان فضحتا أرقي اللعين. لا أعرف كيف أصف هذا، كنتُ جالساً أمام نافذة غرفتي، أتأمل قرص الشمس الذي أخذ يذوب شيئاً فشيئاً ،إيذاناً بقدوم الليل،حين دَخلتْ أختي وقالتْ بدون مقدمات :
-أنها صديقتك ، أقسم لك،عند الباب، لاتأتي خلفي، أبقى مكانك، تخيٍل أمي تريد إدخالها، تقول عيب سيحلُّ الليل.تصاعدَ الهمسُ والضحكات خارج غرفتي، كنت أستطيع تمييز أصوات النسوة من مكاني، لكن صوت الصبيّة كان خافتاً، أشبه بالهمس، عَرفتُ من خلال حديثهن أن ذات الشعر الأحمر كانتْ مريضة، وعَرفتُ أيضاً أنها تكبدّتْ عناء الحضور، من أجل السمك الصغير الذي أعشقه،لكن في داخلي كان ثمة هاجس يقول، أنها لم تحضر إلا من أجلك ياغبي !كانتْ مفاجأة حين سَمعتُ صوت أمي وهي تنادي علي، احمرَّ وجهي، وأخذ قلبي يخفق بسرعة، كانت شقيقتي الصغرى وهي تطلُّ بملامحها الحلوة، اسرع حتى من صوت أمي نفسه، غمزتني بعينها وهي تَجذبُ يدي بقوّة وعناد! كانتْ الصبيّة تجلسُ متكأة على جدار غرفتي وهي تَفترشُ عباءتها حين وقفتُ فوق رأسها، ظلّتْ جامدة ولم تتحرك لكن اصابعها راحت تَعبثُ بطرف ثوبها الأسود،قالتْ أمي بوجه مبتسم ضاحك :
-انظر لهذه الطفلة المسكينة؟ أنها مريضة، رغم ذلك، قَطعتْ مسافة طويلة حتى تجلبَ لكَ السمك الذي تحبّه، عليك ان تكافئها، عطرٌ مميّز من بغداد طبعاً. أخذتْ أمي تَضغط بأصابعها على ركبة الصبيّة، وهي تخفي ضحكتها خلف شالها الأسود، قلتُ وقد واتتني جرأة عجيبة :
-سأحضر كل عطور بغداد لها!ما فعلته من جميل، لن أنساه. كادتْ الصبيّة أن تبكي، راح جسدها  يختضُّ ويرتجف، أخفتْ عينيها بطرف عباءتها،تنَحنحتْ وقالتْ بما يشبه الهمس :
-لا أعرف، لكن انتم ياخالة من دون كل زبائني، لكم معزّة خاصة عندي، حتى أنني أشعر بالخجل ،عندما تنقدونني ثمن بضاعتي! نَكثتْ أمي طرف شالها، قاطعتها قائلة بصوتٍ جادْ :
-لا، هذا رزق بناتك ورزقك، أنا والبنات نُحبّكِ كثيراً، ونشعر بأنك مثل فردٍ منا، لقد اوجعني مرضكْ، ستأكلين معنا، ثم سيوصلك صاحب السمك الصغير. اعترضتْ البنت ، حتى أنها حاولتْ النهوض، لكن أمي منعتها بشدّة، وطَلبتْ من البنات اصطحابها للداخل.كان الليل قد ارخى سدوله حينما خرجنا من البيت، وقفتْ أمي عند الباب الخارجي، اوصتني بأن أكون حريصاً جداً، وطَلبتْ مني إيصالها قرب البيت ثم العودة بسرعة، سرنا بخطوات متباعدة عن بعضنا، التفتُ للخلف، رغم الظلام أدركتُ بأن أمي مازالتْ تراقبنا، كان بيت ذات الشعر الأحمر كما أخبرتْ أمي، يقع خلف بستان كبير شبه مهجور ،بعد أن أهمله أصحابه، الذين فضّلوا السكن في بغداد، وقد حاول عدة أشخاص استثماره، لكن أصحابه أبوا ذلك،مع ذلك فالبستان هذا لم يكن بعيداً عن بيوتنا الريفية المتلاصقة، كان الظلام حالكاً، وكنا أحياناً نتعثّر في الطريق المتعرّج والغير معبّدْ، كانت الصبيّة تسير أمامي بعباءتها السوداء، وقد ضمّتها إلى جسدها ، كنت أحاول قدر الأمكان اللحاق بها، تباطأتْ حركة قدميها، سمعتها تهمسُ بصوتٍ خافتْ :
-تستطيع العودة اذا اردت، الدنيا أمان، وأنا أعرف دربي جيداً، بدأ الجو يبرد. راحتْ تحدّقُ في ظلام السماء، وكأنها تحاول تأكيد ذلك، اصطدمَ جسدي بها،وأنا أحاول البحث عن ردٍ على كلامها، كدنا نقع، أمسكتُ بها وأمسكتْ بي، كان كتفها طرياً ،شعرتُ بأصابعها تقبضُ على ذراعي، أخذنا نحدّق ببعضنا ونحن نرتجف،هَوتْ كفّها في الفراغ، لكني أمسكتُ بها، تَحسستُ اصابعها الباردة التي أخذتْ السخونة تدبُّ فيها، لم تقاوم، قَررتُ مع نفسي الاحتفاظ بكفّها بين اصابعي، سرنا متلاصقين، ومابين حينٍ وآخر ترتطم  أكتافنا ، فتنتابنا جراء ذلك،رجفة لا اول لها ولا آخر. قلت لها هامساً :
-لن أعود قبل أن  أراكِ تدخلين إلى بيتكم، فلا تكرري الأمر بعد.كنتُ أثناء كلامي قد ضَغطتُ بقوة على اصابعها، حدّقتُ في عينيها في الظلام ،الذي كان يقطعه القمر بضيائه الخجول، وجدتها سارحة في ملامح وجهي،كرّرتُ الضغط، ابتسمتْ ولم تقل شيئاً. (يتبع للجزء الأخير 🙃) 

بقلم /رعد الإمارة /العراق/بغداد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق