✍️ فادي زهران
( رسالة مشفّرة )
" خلاصك بالموت محفوف ، و مناصك بالصوت محذوف " هذه الجملة التي كان يسمعها آدم من والدته مراراً و تكراراً و كانت تخيفه جداً فما سرّها يا ترى ؟!
لنتخيّل و نقرأ معاً :
كان آدم شاب غنيّ جداً .. لديه ما تشتهيه نفسه و تطلبه عينه و يخطر على باله .. لَمْ يكن يهتم بحجم ثروته إن زاد أو نقص .. كل همّه أن يستمتع بثروته .. كان يصرف الكثير على ملذاته الشخصية .. لا يعرف قيمة للوقت ، هو شاب طائش ، السّفر يأخذ معظم اهتمامه .. والده متوفى .. والدته تتعالج في مركز صحة نفسية يحتوي أيضاً داراً للمسنّين في بلد آخر .. لم يكن يزرها إلا نادراً و تكلّفاً .. كان يعتبر نفسه قد قام بواجبه تجاه والدته على أكمل وجه .. كانت أمّه تخبره باشتياقها إليه .. و تطلب منه أن لا يتركها بعيدة عنه .. لم يكن آدم يأبه كثيراً لكلامها .. و يقول في عقله : ماذا تريد مني هذه العجوز ؟ أريد أن أستمتع بشبابي و أموالي .. أريد أن أجوب العالم .. أريد أن أجرّب كلّ شيء في هذه الدنيا .. فالإنسان يعيش حياة واحدة و هي تكاد تكون قصيرة على أهدافي و طموحاتي و شغفي ..
كانت أم آدم امرأة في العقد الخامس من عمرها .. أصيبت بشلل نصفي نتيجة إحدى الجلطات الدماغية التي أصابتها .. ممّا جعلها لا ترى بشكل صحيح .. و أفقدها القدرة على النّطق بشكل سليم .. ولا تستطيع الحركة .. مما أدخلها لاحقاً في حالة اكتئاب شديد .. و كانت تدخل في حالات من الغيبوبة ..
أم آدم دائماً برغم صعوبة النّطق كانت تقول لابنها كلمات لطالما كرّرتها و نطقتها كَمن يتعلم الكلام حديثاً كلّما زارها من السنة إلى السنة : " خلاصك بالموت محفوف ، و مناصك بالصوت محذوف " ، و كانت تعيدها دائماً .... حتى ظنّ آدم أن والدته قد أصابها الخرف و النسيان و كان يرتعب كثيراً من كلامها .... كان يتركها في كل مرة بعدما يسمع نفس الكلمات : " خلاصك بالموت محفوف ، و مناصك بالصوت محذوف " !! حفظ آدم العبارة جيداً من كثر تكرارها أمامه ..
تابع آدم انشغالاته بملذاته الشخصية و أهوائه التي بلا فائدة .. كان يسافر و يسهر و يلهو دون أي حسّ بالمسؤولية .. وَصله خبر وفاة والدته و هو في إحدى السهرات مع الأصدقاء .. لم يتأثر .. ولا لوهلة واحدة ! .. اكتفى بقول : حسناً . رَحَلتي أيّها العجوز . و قد أرحتيني من زيارتك الكئيبة .. لا وقت لديّ للحزن ! .. أوصى بدفنها بشكل سريع دون أيّ جنازة مشرّفة أو لائقة .. لم يحضر حتى للوداع الأخير ..
في أحد الأيام .. كانت الشمس صافية ، و الطقس جميل جداً .. قرّر آدم أن يسافر بطائرته الخاصة إلى إحدى المناطق السّياحيّة .. كان معه قائد الطائرة .. و شخص يقدّم له الطعام و الشراب .. و صديقين اثنين .. كان الجو العام جيداً .. تناولوا طعامهم .. شربوا العصير .. قام آدم بأخذ قيلولة قصيرة ريثما يتم الوصول إلى غايته و منطقته المطلوبة .. كان أحد أصدقائه منشغل بالقراءة .. و الآخر يشاهد أحد الأفلام .
كانت الرّحلة تستغرق من ثلاث الى أربع ساعات .. شعر القائد بالتعب قليلاً .. وضع الطّائرة على نظام الطيران الآلي .. تناول طعامه و شرِب العصير .. ما إن حاول الإغماض قليلاً ليريح عينيه .. ليسمع صوتاً ينبئ عن تعطّل النظام الآلي في الطائرة .. المحرّكات تتعطل تدريجيّاً بشكل مفاجئ .. جسم مجهول يرتطم في زجاج الطائرة .. أسراب من الطيور الغريبة تتجمّع و تغطي الزجاج و تمنع الرؤية .. استيقظ آدم .. اختلّ توازن الطائرة .. حاول القائد التدخّل و تحسين المسار .. محاولة تلو الأخرى .. كلها باءت بالفشل .. شعر الجميع بدنو السقوط و اقتراب رائحة الموت .. الصراخ و الرعب يسيطران على الطائرة .. هل سنموت ؟! هكذا قال آدم بذعر شديد .. قائد الطائرة يحاول كسب ثباتهم و طمأنتهم .. محاولات زائفة منه لتلفيق الواقع المؤلم .. باتت الحقيقة المُرّة وشيكة .. خيّم الصّمت .. سلّم الجميع للقدر المحتوم .. سقطت الطائرة بشكل سريع .. كان الدخان يملأ المكان .. جزيرة غير مأهولة هي عنوان السقوط الاضطراري ! .. هبوط دون أيّ تخطيط أو رغبة .. لم ينجُ سوى آدم و أحد صديقيه .. كان صديقه مثخناً جداً بالجِراح و من حسن حظه أنه نجا .. أما آدم فقد أصيب بجرح في جبهته .. و بعض الكدمات في أجزاء متفرقة من جسده لكن لم تكن خطيرة .. تعكّزا على بعضهما البعض .. وصلا إلى بحيرة لون مائها أسود .. تردّدا .. العطش قد تمكّن منهما .. اضطرا إلى الشرب منها .. تابعا المسير .. زادت جراح صديقه .. كان هناك بعض الأشجار .. استظلا تحتها .. قام آدم بقطف بعض ثمار البرتقال .. أطعم صديقه ثم أكل .. أحسّ ادم بثِقل حركة صديقه .. حاول سحبه و جرّه بصعوبة .. صُدما بظهور العديد من التماسيح قادمة إليهم .. حاولا الهروب .. ركضا .. كان صديقه يثقل و يثقل .. كانت هناك منارة كبيرة لكنها تحتاج لسلك الطريق الجبلي .. طلب الصديق من آدم أن يتركه لأنه سيبطئ حركته و يؤخره و عندها سيموتان في نفس الوقت .. رفض آدم اقتراحه .. استمر بسحب صديقه .. وصلا إلى منتصف الطريق الجبلي بصعوبة بالغة لينقضّ عليهما أحد الطيور الضخمة و يغرز مخالبه في جسد صديق آدم .. و يسحبه و يرتفع به عالياً .. لم يستطع آدم أن يفعل شيئاً سوى الصراخ و رمي الحجارة ، لكن دون جدوى ..
تابع آدم الطريق إلى المنارة ، لعله يجد أحداً يساعده .. لكن ما إن وصل إلى باب المنارة .. تفاجأ بظهور دب أسود مخيف .. ليركض آدم و يعود إلى بداية الطريق الجبلي .. استمر بالركض حتى شعر بالتعب الشديد .. ليعود إلى مكان حطام الطائرة .. ارتمى على الأرض .. و قد أعلن استسلامه .. عندها قفز الدب قفزة كبيرة في الهواء برغم كبر حجمه لكي يجهز على آدم .. و بحركة لا إرادية من آدم و هو مغمض العينين أمسك ب إحدى القطع الباقية من حطام الدائرة و قد كانت حادّة و ساخنة جداً ليغرزها في صدر الدب .. عندها سقط أرضاً و مات .. فتح آدم عينيه لينذهل مما حدث .. تابع آدم الطريق محاولاً قطع الطريق الجبلي من جديد .. كان السّير مرة أخرى متعباً جداً ..
وصل آدم أخيراً إلى المنارة .. فتح الباب .. كانت عبارة عن برج من تسعة طوابق .. تفاجأ آدم أنها كانت مهجورة .. خيوط العنكبوت تغطّي المكان برمّته .. القوارض منتشرة .. أعشاش الطيور مسيطرة و مقيمة .. الجدران متاكلة .. كان الظلام دامساً .. سمع آدم صوت زمجرة .. كان وحشاً ك القسورة .. حاول الانقضاض عليه .. استطاع آدم بصعوبة أن يهرب بعدما صعد إلى الطابق الثاني .. كان الطابق الثاني شبيه بالأول .. ظهرت أفعى كبيرة حاولت التهام آدم .. ركض و ركض و استطاع الهروب بصعوده الى الطابق الثالث .. و كان كل طابق أشبه بأقرانه و يخبئ الوحوش المخيفة .. استمر آدم على ذلك الحال حتى وصل إلى الطابق الأخير حيث كان هذا الطابق مختلفاً .. هو عبارة عن ساحة واسعة مليئة بالكتب .. نظر آدم من النافذة ليجد إحدى المركبات الغريبة .. فرح قليلاً .. لكنه تعجّب كيف سيستطيع ركوب هذه المركبة ؟! كانت الكتب كثييرة جداً في خزانات مرتّبة عن طريق جهاز إلكتروني غريب الشكل .. و كانت هناك لافتة توضح ذلك .. فمثلاً لو قال آدم جملة معينة يختارها سيرد عليه الرد الآلي و يختار قسما معيّناً و اسم الكتاب أيضاً بناء على ذلك .. جرب آدم أول مرة فقال : أريد أن أغادر .. عندها أعاد الرد الآلي الجملة و اختار عشوائياً قسم الرسائل .. كان القسم عبارة عن كتابين اثنين فتحهما فلم يستفد شيئاً ... و تفاجأ أيضاً بظهور مخلوقات صغيرة يزداد حجمها مع كل اختيار لا يناسب مزاج الرد الآلي ! و في نفس الوقت تذكر أنه إذا عاد إلى الطوابق الأرضية ستكون الوحوش في انتظاره .. حاول آدم اختيار العديد من الكلمات .. لكن دون فائدة .. و المخلوقات تكبر تدريجيّاً و تصبح وحوشاً .. و اصوات الوحوش في الاسفل تتزايد .. سيطر اليأس على آدم و قارب على الاستسلام ليكون فريسة لهذه المخلوقات أو للوحوش الأخرى بعدما قال العديد من الجمل و كررها الجهاز دون أي فائدة .. و بدون قصد و في حالة قريبة من الهذيان نطق آدم جملة والدته الغريبة : " خلاصك بالموت محفوف ، و مناصك بالصوت محذوف " عندها استجاب الرد الآلي دون أن يكرر الجملة لأول مرة منذ أكثر من ستين احتمال اختاره آدم و أرشده إلى كتب تتحدث عن الموت .. كانت الكثير من الكتب .. بشكل عفوي و عشوائي كان آدم يبحث عن أي حل و يرمي الكتب .. ليجد بين يديه كتاباً مثبّت عليه لوحة إلكترونية مشابهة للوحة الرئيسية كأنها متّصلة مع بعضها البعض .. مكتوب عليها اضغط هنا .. ضغط عليها .. أصدرت وميضاً دون صوت و لمعَ عنوان الكتاب و انحذف فوراً .. عندها ظهر جهاز صغير ضغط عليه آدم بعدها تفاجأ بظهور المركبة تلقائياً كالأحلام بجانب النافذة ليركب فيها و يطير إلى بلده بعد غياب كاد أن يفقد بسببه حياته .. و عرف سرّ جملة والدته الغريبة : " خلاصك بالموت محفوف ، و مناصك بالصوت محذوف " أي نجاتك تكون بشيء يتعلّق بالموت و تبيّن أنّه كتاب الموت الذي وجده ، و هروبك من الأذى يكون بالكتاب الذي حذف الصوت عند نطق عنوانه .... كأن والدته التي عاملها بكل قسوة قد علمت بأن ابنها سيكون في إحدى الأوقات في خطر جسيم و استغلّت حالات الغيبوبة التي كانت تصيبها للسفر عبر المستقبل في حالة بين الحقيقة و الأحلام لمساعدته .. و حاولَت إرسال طريقة مشفّرة معيّنة لإنقاذه .. لتبقى الأمهات أجمل الأعطيات و قمة في التضحيات و أهلاً للتحمّل و الثّبات .. ك رقة الورود و دقة في العهود على البقاء و النقاء ..
✍️ فادي زهران
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق