نوارة
عندما رأيته لأول مره، كان يجلس على رصيف أحد البنايات القريبة من شاطئ النيل في "عزبة البرج"
والمقابلة للعمارة التي إشترينا فيها شقة جديدة، كنت أقف في الشرفة أتأمله وهو يقلب الأسماك المختلفة الأنواع والأحجام في جرم الخوض أمامه، والذي إشتراها من الصبية الفقراء، الذي يجود عليهم بها ريسوا مراكب الصيد بما أنعم الله عليهم من رزق،
رفع وجهه فإلتقت عيناه عيناي، لمح ابتسامة على وجهي فبادلني بأكبر منها قائلا: صباح الخير يا نوارة!
أشرت له بيدي محيياً وضحكه تملأ وجههي وقلت: صباح النور
"نوارة" رنت الكلمة في أذني كأني أسمعها لأول مره كلحن جميل مشبع بالفرحة، نوارة من النور، نور الزهور المشرقه بالخير، تسعد عيناك بالنظر إليها، وتنعم بعطر شذاها، وعندما تذبل وتوشك على الهلاك تعطيك ثمرة لذيذة.. تفاحة.. او برتقالة.. أو دهب أبيض طويل التيلة... إلخ من الخيرات، يالها من كلمة تحتاج كتب ودواوين لشرح معانيها،
"له ديل وحنك ياسمك" هكذا كان ينادي على بضاعتة بين الحين والأخر
عباره أدهشتني، لم تغزو أذني من قبل من بائعين الأسماك في سوق السمك الكبير،
له ديل وحنك ياسمك، سمعتها إمرأة فوق رأسها قبعه كبيرة ترتدي شورت قصير وبلوزه بحمالات بألوان مبهجة وبرفقتها اثنتين من بناتها،
قادمين من رأس البر عبر معدية "أماره"
توقفن عنده مستفسرين عن معنى ماقال، أمسك بسمكة طويله بعض الشئ وقال لهن:
له ذيل وأشار إلى ذيل السمكة، وحنك وفتح فم السمكة،
ضحكن بصوت عالٍ، واشترين منه، وأخذن الصور التذكارية معه، وانقلبوا عائدين،
تنعكس الشمس على وجهه الحليق فيزداد إحمرارا ونوراً وإشراقاً، الشال الأبيض المعقود بعناية حول الطاقية البيضاء التي تغطي رأسه، جلبابه النظيف المكوي دائماً،
يمر صياد فينحني أمامه ويقول ضاحكاً:
صباح الخير ياعم "كامل" يانور يانوارة يا إدارة ياأجدع واحد في الحارة،
يشاركه الضحك عم كامل فتنفرج شفتاه عن صفين من أسنان بيضاء كاللؤلؤ،
ماهذه الراحة التي ملأت صدري منذ أن شاهدت هذا الرجل؟! ماهذا الإنطباع الذي إنطبع بداخلي والذي يوحي أنني أعرفه منذ زمن مضى؟! على الرغم من تأكدي أنى لم أره من قبل، فنحن أغراب عن هذه المدينة،
إنها السهام التي تنفذ من قلب الطيبين إلى قلبك فتشعرك بقربهم منك، بحبك لهم، بأنهم من عائلتك وليسوا أغراب عنك،
مجرد سماع صوته في الصباح وهو يتضاحك مع الصبية الذين يبتاع منهم الأسماك، أنهض مسرعاً إلى الشرفه، وأتابعه في شوق وبهجة،
غاب لمدة يومين، داهمني قلق عليه، وامتلأ حلقي بمرارة حارقه، وزهدت في الطعام وجفاني النوم، ماهذا؟!
إنها نفس الأعراض التي لزمنتني عندما مرض أبي مرضه الأخير!
له... ديل.. وحنك... يا...سمك
الكلمات تخرج منه متحشرجه شاحبه بلون وجهه الحزين، ضعيفه كأنه ينتزعها من زوره إنتزاعاً،
ذبلت النواره وأفلت شمسها، لم ينطق بها كعادته،
في الصباح مات عم كامل، وفي هذه الأثناء عاودني الحزن الذي غمرني يوم وفاة أبي.
رزق البرمبالي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق