المسافرون إلى ما لا نهاية
قراءة تأويلية في نص" الاتجاه المعاكس"
ل/ محمد البنا
بقلم الأديبة السورية / كنانة عيسى
..............
يدهشنا الأستاذ محمد في قصته القصيرة جدًا لتناولها فكرة (الموت) ،بلونه التأملي الفلسفي، حيث يصيغ لنا السارد الخارج عن المشهد والغارق في أدق تفاصيله حركة(القطار المبهم والغامض والمسكوت عنه) بصور متلاحقة تضيء حيثيات فكرة مجردة واحدة.
تنوء بالمتناقضات. القبول لفكرة الموت كعالم مغلق والرفض له كحقيقة راسخة تجبر الذات الإنسانية على تقبلها الممض كقدر لا فكاك منه.
القطار هو قطار (الحياة) المتآكل، يتحرك بشكل منهك، ضالَّ السبيل، غائم الوجهة، فهو يئن نحو محطته.
الأخيرةالغريبة (الموت).
الركاب تائهون في همهماتهم، المشهد سوداوي لا تبدل،، لزمنٍ فيه.لا نرى ماضيًا ولا نقرأ حاضرًا، تغير الطبيعة هيئتها ،،فالشمس غائبة بقرار ، والأشجار تعاند ثباتها بالرقص، ألما وتفجعا،وذلك الصمت الذي يحيط تيه المكان المحدد ببصيرة الراوي المجهول(صمت مريب) وبضبابية غير مرئية ولكنها مندمجة بكل الحواس.
يدرك القارئ المصغي لسارده أنّ الحياة تتّجه إلى الموت، ، فالإنسان يواصل الأمل والتفكير في أشياء مستحيلة لإطالة الحياة. ولكن ما أن يحين الوقت المُناسب حتّى يدرك الفرد أنّ هناك مظهراً آخر للموقف، هو أنّ الحياة التي يعيشها تتّجه نحو يقظة عقليةلازمة لإنهاء تلك الحياة ذاتها. .
وما أن يبدأ السارد بفك حجبه حتى يثبت لنا انتماءه
لعالم الصمت وغياب الحواس، وضيق الفضاء السردي الذي بدأ بالاتساع باقتراب نهاية المشهد العبثية.
فهو الذي يمنع وعي الموتى بالتجلي، وهو المتبصر بحقائق المكان والزمان المعاكسين لملامح الطبيعة المألوفة،وهو المحور الذي تدور حوله الأشياء والكائنات.
فهو ( الجالس فوق اللاشيء، وربما فوق الأشياء كلها) .. لكنه ليس واثقًا من جوهره و من طبيعته، إلا في المحطة الأخيرة، حيث سيترجل الجاهلون في آخر لحظات حياتهم نحو الموت(لحظات مضت) . ليتوقف القطار ويشاركنا السارد أنه ذاك الدخان ذلك القطار المتعب،
لعلنا نرى تواشجًا استثنائياً بين نص (الاتجاه المعاكس) وبين قصيدة (الغراب) النثرية ، لإدغار آلن بو، التي يخاطب فيها ذاته القلقة كأنه جالس ( فوق اللاشيء)،،
بمواجهة الموت برمزه الأبدي (الغراب)، متمتمًا (
وكأنما الغراب يجلسُ وحيدًا على التمثال الهادئ،
لا يلفُظ إلا بتلك الكلمةِ الوحيدة،
لكأنّ روحهُ في تلك الكلمة التي يهذي،
لا شيء بعد ذلك لفَظْ، و لا حتّى ريشة تنتفِضْ،
وهكذا إلى أنني بالكاد تمتمتُ ”
أصدقاءٌ آخرون طاروا من قَبْل و في الغدِ سيتركني،
. مثل آمالي التي تركتني من قَبْل”
بإمكاننا أن نرى أن الترابط بين مفهوم إيديولوجية الموت الفردي من خلال نبذ الأسلوب الحسي غير العاطفي والاتكاء على خطاب ذاتي شابه خطابًا بصريًا سوداويًا بين الموتى على متن القطار الغامض. ، إن التخيل الحقيقي ليس إطلاقًا إلا التخيل التحليلي هنا في كلا النصين. مما يتماشى بالتقريب وليس بالتخصيص ، والتي تقول ب “إن عقل الإنسان لا يستطيع تخيل ما ليس موجودًا”
إنه صراع سافر بين قوة العقل المحضة المطبقة على روح الحقيقة وبين انقطاع الجسد البشري وماهيته الطينية و الذي رغم انه لا يدرك لحظة ولادته ولن يدرك لحظة موته فإنه خلق تقبلًا مدهشًا لفكرة غريبة أساسها هو تقبل الموت كلحظة نهائية من التحرر تواءم طبيعة الدخان الفوضوية والانسيابية التي رغم معرفتها بالحقيقة تمضي في اتجاه بعيد رغبة بالتمسك برغبة الإنسان الغريزة بالخلود.
نحن دخان سافر لا قرار له، ماضون في حياة تتلاشى منذ بدء تكوينها. من الطين خلقنا، و بدخاننا وضعفنا
سنعود طينًا مرة أخرى.
كنانة عيسى..٣أكتوبر٢٠٢٠
..................
النص
.......
للنقد
.......
الاتجاه المعاكس
......
يقترب القطار من محطته الأخيرة، لا أدري أيبطئ من سرعته أم يزيدها.
عجلاته الحديدية تئن، والقضبان تستغيث..الدخان يفر مبتعدًا في الاتجاه الآخر، يهرب من الموت إلى الموت..الصمت ينتحر يأسًا من الضجيج، الأشجار تتراقص على جانبي الطريق كطائرٍ ذبيح، السماء تراقب المشهد في صمتٍ مريب، الشمس تتوارى خلف سحبٍ سوداء، يهمهم أحدهم
- لا تحمل مطرا
يهمهم آخر
- ربما نذير سوء
ترتد همهماتهم إليهم، فأذني صمّاء، أخيط شفاههم بصمتي، يستسلمان في هدوء، فعيون الموتى غير مؤهلةٍ أن تراني، أنا الجالس فوق اللاشيء، وربما فوق الأشياء كلها.. لا أدري!
لحظاتٌ مضت وتوقف القطار، أدركت حينها أنني دخانٌ يفر في الاتجاه المعاكس.
محمد البنا..٣٠يونيه٢٠١٩....تعديل ..٣سبتمبر٢٠٢٠
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق