قصة قصيرة
أنهكه كثيراً التنقل المستمر جيأةً وذهاباً بين غرفتي النوم والمطالعة والمطبخ، أختنقت أنفاسه، تلفت أعصابه وأبصاره وهو يرصد أخبار هذه الجائحة المستجدة ليلاً نهاراً بين شاشتي التلفاز و هاتفه الغبي هذا.
قرف ثياب نومه، تحطمت عظامه والتصق بعضها ببعضٍ من كثرة الإستلقاء وساعات النوم الطويلة.
أزهقته العزلة في الحجر الصحي المنزلي، واختلطت عليه الأيام والليالي، حتى أنه لم يعد يعلم في أي يوم يعيش.
وقف المحامي الشاب آرام أمام المرآة يتحسس ذقنه وحسبه ان الشيب قد غزاها أضعافاً مضاعفةً في هذه الشهور القليلة فقط، وهو من كان يظن بنفسه الشاب الثلاثيني الذي لن يشيخ أبداً، بعضلاته المفتولة وجسده الممشوقِ وشعره الكستنائي الذي منحه طلة بهية ميزته عن أقرانه من الرجال، أما النساء فلا زالت تتهامسن سراً، تغزلاً واعجاباً به، حتى بعد سنوات زواجه الطويلة هذه.
زوجته وحبيبته ليا التي تزوجها بعد قصة حبٍ ووفاءٍ عظيمة، لا تستكين ولا تيأس من مواساته والتخفيف عنه بعد تدهور حالته وصحته الجسدية والنفسية، وهي التي حمت ظهره في أحلك الظروف وأقساها،كيف لا وهو آرامٌ، عاشق زوجته وطفليه الجميلين، نيشان ذو السنوات العشرة، والرضيعة الجميلة لارينا مدللة قلب أبيها،
قضوا أجمل أيامهم حتى بان لهم غول متوحش اقتحم حياتهم وحياة الملايين بل المليارات من البشر حول العالم، قَلَبَ هذا الغول حياتهم بمفاهيمها رأساً على عقب، فالثقة بالنفس أصبحت شكاً، والنظافةُ هوساً، والنوم والراحة أضحتا قلقاً وأرقاً لا ينتهي، كل شيء تغير حتى فنجان القهوة على الشرفة لم يعد هو هو، مكتبته المفتوحة أمام الجميع أُغلِقَتْ حتى اشعار آخر خوفاً من عدوى الكورونا هذه.
وحده الشمعدان الزجاجي هدية رفيق عمره الارمني ساكو في عيد زواجه الثامن بقي أنيسه بشمعته النحيلة التي أنارت له ليالي الحجر المظلمة الموحشة.
عبثاً تبدل زوجته ليا بين قواطع التيار الكهربائي الرئيسي والاضافي الذي أُضطر آرام لإستجراره بطريقة غير شرعية ويسميه دائماً بخط السرقة.. فيمتنع عن توصيله ويوكل المهمة لزوجته غالباً.
تأففٌ، زهقٌ، ضجرٌ مستمرٌ لا ينتهي، وسواس قهري أصاب منه مقتلاً.
يسقي الورود على الشرفة مهلوساً مكلماً نفسه، حتى يدخل ابنه نيشان متذمراً هو الآخر من هذه العزلة وشاكياً له إشتياقه لأولاد عمه هجار.
راقت له فكرة نيشان كثيراً فوافق على الفور دون تردد.
خرج آرام /بروبهِ/ السماويِّ مسرعاً من الحمام نحو غرفة النوم، فتح خزانة ثيابه، فأخرج تيشيرته الكحلي من ماركة/ calvin Klein / وارتدى بنطاله الجينز الذي كان قد اشتراه من إحدى المتاجر الفخمة قبل فرض حظر التجوال بيوم واحد فقط، ركضوا جميعاً على درج البناية كأطفالٍ مبتهجين في صبيحة عيدٍ، منطلقين في رحلة البحث عن السكاكر والحلوى.
يقود آرام سيارته بجنون و فرح غير آبهٍ بالحفر والمطبات المنتشرة في شوارع حي الكورنيش، بعد أن كان هو نفسه من يكفر بهيئات الإدارة الذاتية ويشتمها ليلاً نهاراً لتقاعسها عن إصلاح هذه الشوارع وترميمها.
في الطريق لبيت أخيه هجار في شارع الكهريز يمازح زوجته ليا الجميلة بشعرها المجعد وبشرتها القمحية ووجهها الممتلئ بالشامات المتناثرة التي طالما تفائلت بها كعلامات ستجلب لها الحظ السعيد.
يمازحها ضاحكاً: لفت انتباهي اليوم على صفحات الفيسبوك أعلانٌ لأحد المهربين عن خدمة توصيلٍ لأي شخص يرغب في الانتقال من حي لآخر بخمسةِ آلاف ليرة سورية فقط من دون المرور بحواجز الاساييش..ههههههه
في استقبالهم وقف شقيقه هجار وزوجته نسرين وأولادهما الذين يسميهم عمهم آرام بالدببة الثلاثة بفرحة وبهجة كبيرة،تملكت آرام رغبة جامحة في إحتضان اولاد أخيه، ولكن كان لهذه الجائحة الخبيثة رأيٌ آخر؟!
فقواعد الايتيكيت والأصول والعادات الاجتماعية تغيرت و تعرضت لهزاتٌ كبيرة وضربات موجعة.. فالمصافحة بالأيدي غدت من الماضي، والقبلات الحارة أصبحت أخطر من أي سلاح فتاك آخر.
أما مسافات التباعد الاجتماعي فقد خلقت حواجزاً حقيقية بين أعز الناس واكثرهم محبةً وقرباً من بعض.
عبثاَ يتحاشون الحديث عن الكورونا واخبارها فمرجعهم إليها لا محالة.. قنوات الاخبار، المنوعات، الرياضة، وحتى الأطفال لا تتحدث الا عن هذه الآفة اللعينة.
نظرات القلق باديةٌ على وجوههم، فغداً صباحاً موعد ظهور نتائج تحاليل آرام على الأرجح..
يرتشفون القهوة ويدخنون /النارجيلة/ على الشرفة مع صوت واحساس رشيد الصوفي الغامض واغنيته ديلبرامن..إلا آرام فقد دخن السيكار الكوبي الغليظ واجترع معه كأساً من الويسكي بالرغم من تحذيرات ليا له بالابتعاد عن التدخين وأجوائه.. خصوصاً بعد ظهور أعراض كورونا عليه بشكل واضح للعيان، مما زاد الجميع تيقناً بأنه مصابٌ بها لا محالة،ورغم ذلك كله لم يقلع عن عاداته الصحية السيئة من تدخين شرهٍ وشرب نهم للكحول يصل لحدود الثمالة في كل مرة يشرب فيها... أجواء ساحرة استمتعوا بها على شرفة منزل أخيه المطل على شارع الكهريز، لم يعكر صفوها سوى هدوءٌ قبيحٌ في شارعٍ لم يعرف النومَ والسكينةَ يوماً حتى ساعات الصباح الباكر.
رنين جرس الباب منتصف الليل خرق سكونهم، فُتِحَ الباب، رجل ستينيٌ من سكان الطابق السفلي مرتدياً كمامة طبية تخفي لحية كثة بيضاء كالثلج، وعينان جاحظتان تقدحان شرراً، من دون أي تحية او سلام خاطب الجميع بصوته الاجش المرتفع : وبعدين معكون ومع أولادكون؟ كرهتونا حياتنا هااا، اذا ما تضبوهون رح جيبلكون الاساييش لهون..من غير شي محجورين وعايفين حالنا.
عبثاَ حاولوا تهدئته دون جدوى، إلى أن خرج عليهم محمد ابن أخيه هجار..المراهق الصغير الذي لم يكد الزغب قد نبت في وجهه بعد، فنهره بجملةٍ واحدةٍ فقط : روح من هون، أحسن ما تشوف شي ما بيعجبك هاااا، يلاااا..
انصرف العجوز غاضباً متمتماً بكلمات غير مفهومة فيها الكثير من الفظاظة والوقاحة...
مضت سهرتهم كلمح البصر، وبلغ الليل هزيعه الأخير، وحان وقت الرحيل.
_جهزي الأطفال ولنشد الرحال يا ليا.
مشاعر جياشة أجبرته على احتضان وتقبيل الأطفال الثلاثة ووالديهم، مخالفاَ اجراءات وتدابير الوقاية الصحية، ومخفياً دمعةً نزلت من عينيه..فيما انهارت نسرين باكية ولم تستطع توديعهم ومرافقتهم حتى أسفل البناية.
غبار كثيف وأتربة تغطي سيارات واقفة بعجلاتٍ مهترئةٍ من كثرة بقائها ساكنة طيلة شهور الحجر الصحي.
شوارعٌ موحشةٌ لا تجد فيها الا كلاباً هزيلة جائعة، تنبش باكياس القمامة فَتَلتَهِمُ مافيها بنهمٍ وشراهة.
ياللشيطان !! حتى كلابنا حزينة،هناك في الغرب تدعى جاكي.. شيري.. وأما هنا في روج آفا المباركة فانها تُعْدَمُ ميدانياً من قبل موظفي بلدية الشعب بالرغم من ارتفاع أصوات المدافعين عن حقوق الحيوان والبيئة تنديداً ورفضاً.
كل ذلك وهاجس اقتراب موعد ظهور نتائج تحاليل الكورونا لا يفارقه البتة.
يتقدم آرام زوجته وأولاده في الدخول إلى المنزل وسط ظلامٍ مخيف، يشعل الشمعة المغروزة في شمعدان ساكو الزجاجي المثبت على حافة مكتبه في غرفة المطالعة المحببة لقلبه.
زوجته المنهمكة في تبديل الرضيعة لارينا تشير اليه بتوصيل التيار الكهربائي عبر الخط الإضافي.. خط السرقة الآتي للتو وسط تصفيق نيشان فرحاً واحتفالاً بوصوله.
هذه المرة لم يتردد في رفع القاطع الكهربائي فلم يعد يخشى من فايروس نائم فوق سطح هذا القاطع بعد تيقنه بنتيجة تحاليله الايجابية حتماً خلال ساعاتٍ قليلة.. رفع القاطع بكل ثقة.
شرارةٌ وتوهجٌ عظيم خرج من القاطع، وصاعقة مجنونة ضربت جسد آرام الجميل، ملأت الغرفة والشرفة دخاناً.
منزلهم امتلأ بالجيران الهرعين لنجدته ووضعه في سيارة الإسعاف التي أيقظ نفيرها كل أهالي الحي وسط ولولات ونواح ليا وصدمتها العظيمة.
أما شمعته النحيلة فقد انطفأت في الحال،وشمعدان ساكو سقط صريعاً، منتحراً حزناً على صاحبه.
هاتفه الغبي رن بعد ساعاتٍ معلناً عبر رسالة SMS ظهور نتائج تحليل آرام محمد علي وَخُلُو جسده من فايروس كورونا.
كاوا عبد الرحمن درويش/سوريا
لكم مني جزيل الشكر والتقدير لتوثيقكم قصتي القصيرة/في مهب الجائحة /❤️
ردحذف