الجمعة، 27 نوفمبر 2020

عازفة الكمان 🎻 (قصة قصيرة) بقلم // فاطمة النهام

 عازفة الكمان 🎻 

(قصة قصيرة)


بقلم القاصة البحرينية فاطمة النهام 


ذات ليلة غطت الثلوج الناصعة أسطح المباني في عاصمة الضباب واجتمعت معظم العائلات في منازلها لتحتسي الدفء والأمان، والبعض الآخر كان يتناول المأكولات الدافئة.

 وبين ضباب تلك الليلة القارسة البرودة، كان هناك طفلة صغيرة جميلة، في عمر الزهور، تدعى (أماندا)، تحمل بين يديها الصغيرتين آلة كمان. 

كانت تتجول بين الجليد بحذائها الممزق، وثوبها الرث، والرياح الباردة تعصف بها وتهاجمها بقوة، وكأنها تسعى للنيل منها.

توجهت (أماندا) إلى أحد المطاعم الراقية، وتأملت الأطباق الشهية المتنوعة من الواجهة الزجاجية. كان لعابها يسيل بغزارة المطر. وهي تشاهد الناس يتناولون عشاءهم بتلذذ.

ولكن ما لبثت أن رحلت عن ذلك المكان في حسرة. لقد اعتادت أن ترى هذا المشهد مراراً، لكنه لا يتحقق معها أبداً.

 كانت تعود إلى كوخها بعد منتصف الليل، لترمي بجسدها المنهك، وتنام بعمق، بعد أن تقضي ساعات طوال في العزف للحصول على بضع بنسات. فتارة تنام بغير عشاء، وتارة أخرى تأكل رغيفاً من الخبز.

تذكرت حينما دخلت يوماً إلى أحد تلك المطاعم الفخمة، وما إن وطأت قدماها المكان، حتى أخذت عيناها تجولان في قاعات الضيافة، مشدوهة، مبهورة، وكأنها في حلم أخاذ! 

لكن حلمها الصغير سرعان ما تبدد، بعد أن فوجئت بصاحب المطعم، حيث أمسك بيدها بشراسة ليدفعها خارجاً، وهو يزمجر قائلاً بفظاظة:

ـ إيَّاك أن تدخلي إلى هنا مرة ثانية.. هل فهمت؟!

ثم أغلق الباب خلفه بعنف!

انقبض قلبها وهي تستعيد هذه الذكرى، ومسحت دمعة سالت على وجنتها، شعرت بها تحرق فؤادها وتقطع روحها. لقد عاملها هذا المخلوق وكأنها متسولة! نكرة! 

ولكن، لماذا؟!

هل لأنها فقيرة؟!

أم لأنه ليس لها أحد في هذه الدنيا؟!

يا لقساوة قلبه.. بل يا لفظاعة هذا العالم.

لن تنسى ذلك الموقف أبداً. إنها تحتمل أي شيء في الدنيا، إلا جرح كرامتها وكبريائها.

انقطع حبل أفكارها على صوت صهيل! شعرت بالخوف. وانكمشت جانباً، وهي تحتضن كمانها وكأنها تود أن تختبئ فيه.

توقفت أمامها عربة تجرها الخيول. وخلال لحظات، ترجلت منها سيدة تضحك بصوت مرتفع. لمحت (أماندا) زوج تلك السيدة الذي كان ينزل أيضاً من العربة. كان يسير خلفها كالأبله، أو كأنه قطعة مكملة لمجوهراتها، وكان من الواضح أنهما متجهان إلى ذلك المطعم.

تأملت الثوب الفاخر الذي كانت ترتديه تلك السيدة، والحلي الثمينة التي زينت أصابعها وعنقها، وتذكرت أمها التي توفيت منذ أعوام. لم ترتدِ أمها يوماً مثل هذه الملابس أو تلك المجوهرات، إلى أن ماتت، كانت ترتدي ثوباً بالياً، ووجهها الشاحب ملطخ برماد الفحم. 

اعتادت أن تراها كل صباح تحمل أكياس الفحم على ظهرها لتذهب لبيعها في السوق، وتعود في آخر النهار منهكة من هذا العمل الشاق. كانت أماً طيبة، وحنونة، كافحت طويلاً إلى أن انتهت حياتها بمرض السل.

تذكرت حينما مكثت إلى قربها في تلك الليلة، لم تكن تملك المال لكي تجلب لها الطبيب. لن تنسى أبداً لحظة لفظ أنفاسها الأخيرة. 

كانت تناديها بصوتها الواهن:

ـ أماندا.. أنا راحلة.. اعتني بنفسك جيداً.

سالت دموعها بغزارة وهي تستعيد هذه الذكرى. إنها تتذكر جيداً بكاء أمها ونحيبها الصامت كل ليلة.

بدأت مسيرة شقاء أمها في هذا العمل المضني بعد وفاة أبيها، الجندي بالجيش البريطاني، بعد خوضه الحرب العالمية الثانية، لم يعد والدها من تلك الحرب أبداً.

أشاحت بوجهها عن تلك السيدة، وجلست تحت إحدى الأشجار وهي تنتفض من برودة الطقس. كان الجو يزداد برودة، وهي تزداد ارتجافاً وانكماشاً.

 احتضنت كمانها، وكأنه صديقها الوحيد. لقد عاشت هكذا دوماً بعد وفاة والديها؛ وحيدة، يتيمة، فقيرة!

بعد أن كتب القدر على إحدى صفحاته السوداء رحيل والديها، شعرت بأن الحياة قد أظلمت أمام عينيها. أحست بالاختناق، وكأنها محبوسة في علبة كبريت صغيرة.

قطع حبل أفكارها صوت ساعة (بج بن) العريقة. الذي كان يشق سكون الليل وغموضه. كانت تتألم حينما ترى مشهد التلاميذ وهم يذهبون إلى مدارسهم صباحاً، حاملين كتبهم وحقائبهم.

لطالما حلمت بأن تذهب إلى المدرسة، لكن سرعان ما يتحول هذا الحلم إلى سراب.

ولكن ماذا تفعل؟! 

فلقد حتم عليها قدرها أن تعيش حياة الجوع.. والتشرد.. والهوان.

حملت (أماندا) كمانها ووضعته على كتفها، وحملت بيدها الأخرى عصاتها الصغيرة، وأخذت بالعزف. عزفت لحناً ملائكياً عذباً، يمتزج بالحزن والأنين، وترددت أصوات تلك الأوتار الحزينة كالسيمفونيات في سماء لندن الخيالية، وبين جدران مبانيها ومنازلها.

وأثناء العزف كان يمر أمامها العديد من الناس، رجالاً ونساءً وأطفال، البعض منهم.. يرمي تحت قدميها بضعة بنسات، لقد كانت تدفن في قلبها الصغير حزناً عميقاً ومرارة مكبوتة. ما هي إلا لحظات، حتى حملت بنساتها القليلة، وعادت إلى كوخها. 

تمددت وأخذت تغطي جسدها المتعب بأعواد القش الذهبية. تأملت سقف الكوخ المتشقق، ووجدت في خطوطه دهاليز عديدة من حياتها وأفكارها التي لا تنقطع.

لطالما افتقدت حضن أمها.. وصوتها.. وغناءها لها قبل النوم..

ولطالما افتقدت حضن والدها.. وإحاطته لها بالحب والحماية.

كم تشتاق إليه، وإلى صوته الدافئ..

لطالما تمنت ارتداء الملابس القطنية الدافئة..

وأن تسد رمقها بالطعام اللذيذ..

تمنت أن تذهب إلى المدرسة..

لكنها تدرك جيداً بأنها لا ترى تلك الأحلام إلا في مخيلتها، وأن أمنياتها ما هي إلا أحلام بعيدة المنال.

أغمضت عينيها ونامت بعمق، وفي أحلامها رأت نفسها تعزف على كمانها القديم. 

ولكن الغريب في الأمر.. أنها كانت تجلس تحت نفس الشجرة، وكانت تقابل نفس الأشخاص الذين يرمون تحت قدميها بضعة البنسات. 

ابتسمت ابتسامة شبه ساخرة.. فحتى في أحلامها.. ستبقى دوماً تلك الفتاة الفقيرة.. اليتيمة.. البائسة..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق