الخميس، 5 نوفمبر 2020

مفتاحية التناص } ـ قراءة تحليلية عن نص الشاعر"محمد يوسف" ـ بقلم // باسم الفضلي العراقي

 { مفتاحية التناص }

ـ قراءة تحليلية عن نص الشاعر"محمد يوسف" ـ

النص ..:

--------

مللتُك أَيُّهَا الْمُرَبَّع الْأَحْمَر ،

سئمتُ صمتك المشؤوم

وضجيج كَذَّبَك الرنان

احْتَرَقَت كُلّ المربعات

والبيادق بَاتَت رَمَاد وَدُخَان

لَم تَكْتَرِث لبكاء الْعَصَافِير .

بَل رَاقَ لَك نَحِيب الْغِزْلَان

متى يا شَهْرَزاد؟

ستقصين لشهريار النائم

حِكَايَاتٌ مَا خَلَّفَ الْجُدْرَان ،

لم احْتَمَل وشوشات السَّمَاسِرَة

وَهم يمَزَّقون أَوْصَال الرُّقْعَة سِرًّا

ويبيعونها مقطعة بِلَا مِيزَان ،

أَنَا لَسْت جلموداً وَلَا جبلاً

فَكَيْفَ لِي الْبَقَاءِ فِي ذَاكَ الْمَكَان ،

-بكل بُرُود خلعتُ حِذائِي الضِّيق

ورحتُ أَزْحَف خَارِج الزَّمَان

بَيْنَمَا رَأْسِي المنكوب

رَاحَت تهْتَزّ يَمِينًا وَشِمَالاً

وَهي تنْفُض غُبَارٌ الْخِذْلَان ،

للمجهول اكملت المسير

وظنّنت أن أنال مِن جُيُوب الْغَد

قَلِيلًا مِنْ الهُدوء وَشَيْئًا مِنْ الْأَمَان ،

لَكِن كُلَّمَا نَظَرَتْ إلَى وُجُوهِ العابرين

أَمْطَرَت سمائي حزنها

وتبللت مني الْوَجْنَتَان

"" ""

خَارِجِ الرُّقْعَةِ

بِلَا أَمْطَار تنبت دوما ،

بِذور الذَّاكِرَة .

...................

القراءة.. :

----------

لنفكك اشارات النص المحوريةولأبدأ بـ"المربع الاحمر" :

ـ المربع:

تتحدد دلالتها بالاحالة داخلياً على ((والبيادق بَاتَت )) و ((تَمَزَّق أَوْصَال الرُّقْعَة )) بأنها:رقعة الشطرنج المربعة ( 8×8 مربع ).

وهي تستدعي : لاعباً + احجاراً ( القطع الشطرنجية الملعوب بها ).

وهدف هذه اللعبة إماتة / قتل ملك الخصم بوضعه تحت تهديد بالأسر لا يمكن الفرار منه / كش ، ولايتم ذلك الا ( بقتل ) كل مايحول دون هذا من احجار/ قطع الخصم.

ـ الاحمر : ازاحة دلالية عن "الدم" لتعالقها السياقي مع فعل قتل البيادق (( والبيادق بَاتَت رَمَاد وَدُخَان ))

وبتعالق (الدم) مع كينونة حية حصراً، تكون دلالة الاشارة الجمعية "البيادق"  مزاحة عن :الجنود .

بتركيب ماولّده تفكيك ظاهر دلالتي  الاشارتين  "المربع الاحمر"  ، تتشكل دلالتهما المضمرة  :

ازاحة دلالية عنٍ ( الحياة ) المستباحة

موضعتها مكزمانياً :

(الوطن) المسفوكة دماء شعبه.

والمفروغ منه ان لكل وطن سلطةً تسوسه ، وتدير اسباب العيش لشعبه ، ولما كان لكل سلطة رأس / قائد حاكم ( ومرادفاته) ، تكون دلالة (اللاعب ) مزاحة عنه.

ـ مللتُ/ سئمتُ : اشارتان مترادفتان ، كل منهما مركبة من فعل + ضمير فاعل متصل (تاء المتكلم)، سافككها الى مركباتها :

مدلولهما لغةً: ضجر، مصدرهما : مللٌ ، ملالة / سأْم ، سآمة

دلالتهما سايكولوجياً: شعور الفرد بعدم استقراره داخلياً، سوداوية نظرته للحياة،والتعب العقلي، جراء فعله الشيء نفسه مرارا وتكراراً / فعل روتيني.

وللاشارتين دلالة مضمرة:استجابة شعورية متعالقة سببياً مع مؤثر خارجي مكزماني .

المقاربة :اثر نفسي لمؤثر خارجي، سالب للاتزان الداخلي .

(تاءالفاعل) المتصلة بهما :اشارة الى من يتابع اللعبة / الدست الشطرنجي ، فلو كانت اشارة الى (اللاعب) لتوقف عن ممارسته فعلاً رتيباً يسبب له الضجر (الملل).

دلالةالتاءالمتصلة :الشاعر الفاقد سلامه الداخلي وهو يرى وطنه مستباحاً مهدورة دماء ابنائه  لمعاودة  (اللاعب)  تكرار لعبته .

دلالة تكرار اللاعب لُعبتَه ( مبعث ملالة المتابع / الشاعر) :

اللاعب / القائد الحاكم، دائم الخسارة، ورغم جسامة ما (يُقتَل) من جنوده واصطباغ رقعة الدست / الوطن ، بدمائهم ،و استحالتها محرقة (( احْتَرَقَت كُلّ المربعات )) لأحلامه بالفوز والغلَبة ، الا انه يكرر اللعب /المعارك ،بحثاً عن انتصار ، ولكن من هو خصمه ؟  .

بالقراءة السياقية للاشارتين ( شهرزاد / شهريار) نجد انهما مقاميتان / التراث الادبي العربي ، قام الشاعر بالتناص معهما :

(( متى يا شَهْرَزاد؟

ستقصين لشهريار النائم

حِكَايَاتِ مَا خَلَّفَ الْجُدْرَان ))

ليقدم للقارئ مفتاحاً دلالياً يساعده على فهم نصه .

فمقاربة ظاهر دلالتيهما السياقية (الف ليلة وليلة ) :

الضحية ( من عامة الناس ) / الجلاد ( حاكم سلطوي ).

جلاد جائر جعل من بلاط حكمه رقعةً شطرنجية، فوق نطعها ( النطع : بساطٌ من جلد يُفرش تحت المحكوم عليه بالقتل ) ، ادمن التلاعبّ بدماء ضحاياه  ، يسفكها  في حروبه العبثية ، وينام حالماً بالانتصار.

بذا تعرفنا على خصم هذا الحاكم الجلاد وهو الشعب المقهور.

وبتعالق (بلاط شهريار) تناصياً مع ( المربع الاحمر ) عند احالته على  خطاب المنادي / الشاعر في :

(( ...أَيُّهَا الْمُرَبَّع الْأَحْمَر

... صمتك المشؤوم

وضجيج كَذَّبَك الرنان

احْتَرَقَت كُلّ المربعات

...

...

لَم تَكْتَرِث لبكاء الْعَصَافِير .

بَل رَاقَ لَك نَحِيب الْغِزْلَان ))

يحل ( شهريار / الحاكم الجلاد ) محل ذلك المربع  ،كمُنادى معقلن مكثف الازاحة عنه،

فصمت الجلاد واصداء كذِبه واستحالة ا يبعثان على التشاؤم من تكرار سفكه الدماء ،وتشويه جميل معاني الحياة ، لايحفل بدموع ضحاياه ويطرب لأنينهم كما في   المقاربة :

العصافير / رمزية جمالية حياتية

الغزلان / رمزية جمالية انسانية /الفتيات الحسناوات( سياقية ادبية تراثية عربية )

وهو ( الجلاد) منقطع لروتينية فعله الدامي ،

غير دارٍ بما  يدور من (( حِكَايَاتٌ مَا خَلَّفَ الْجُدْرَان )) عمايصيب الناس من بلاء جراء ماتقترف يداه بحقهم ، فهاهم تجار حروبه يبيعون اشلاء الوطن بلا حساب :

(( ...السَّمَاسِرَة

وَهم يمَزَّقون أَوْصَال الرُّقْعَة سِرًّا

ويبيعونها مقطعة بِلَا مِيزَان ))

فيطلق الشاعر صرخة رفضه شنيع هذه الجرائم :

(( لم احْتَمَل ...))

فهو يشعر بفداحة آلام ناسه المعذبين :

((أَنَا لَسْت جلموداً وَلَا جبلاً))

ولانه مخذول لم يجد من ينصره لرد الظلم عنهم يختار الرحيل عن الوطن :

(( فَكَيْفَ لِي الْبَقَاءِ فِي ذَاكَ الْمَكَان

...

ورحتُ أَزْحَف خَارِج الزَّمَان

بَيْنَمَا رَأْسِي المنكوب

رَاحت تهتَزّ يَمِينًا وَشِمَالاً

وَهي تنفُض غُبَارٌ الْخِذْلَان ))

فلا غير المنافي :

(( للمجهول اكملت المسير ))

مراهناً على حلم العثور على بعض امان وسكينة فيها :

((وظنّنت أن أنال مِن جُيُوب الْغَد

قَلِيلًا مِنْ الهُدوء وَشَيْئًا مِنْ الْأَمَان ))

لكنه لم يجد غير لوعة وهمٍّ ثقيل :

(( لَكِن كُلَّمَا نَظَرَتْ إلَى وُجُوهِ العابرين

أَمْطَرَت سمائي حزنها

وتبللت مني الْوَجْنَتَان ))

فبعيداً عن حضن الوطن ليس هناك سوى يباب قاحل المشاعر حيث تتناسل الذكريات حسب  لتلد ذكريات :

(( خَارِجِ الرُّقْعَةِ

بِلَا أَمْطَار تنبت دوما ،

بِذور الذَّاكِرَة ))

ـ باسم الفضلي العراقي ـ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق