انهيار
ذات صباح ربيعي أشرقت شمسه خرجت أسعى في طلب الرزق .. فضلت أن أقطع الطريق إلى مقر عملي مشيا على الأقدام رغم الأدخنة المتصاعدة في الجو والضجيج المنبعث من منبهات السيارات و الحافلات أو عند ارتطام العجلات بالحفر المنتشرة هنا وهناك وسط الطريق... كانت المدينة تستيقظ شيئا فشيئا والمقاهي والدكاكين فتحت أبوابها واستولت على الجانب الأوفر من المادة فخيرت أن أسير بمحاذاتها وكلي حذر أن تجرفني سيارة طائشة فقد صاحبها السيطرة على المكبح ...
اقتربت من القلب النابض للمدينة حيث تتفرع الطرق وتنتصب نافورة الماء المعطلة منذ قيام الثورة و قد علاها الصدأ.. سمعت لغطا ولاحظت حذو جدار مبنى شركة الاتصالات وجود امراة في عقدها الخامس منفوشة الشعر شاحبة الوجه ترتدي ملابس سوداء بهت لونها وتنتعل حذاء رياضيا باليا.. وأمامها يقف شاب قوي البنية مفتول العضلات حليق الشعر يمسك ذراع المرأة في عنف، يطالبها بالمزيد من النقود قتقسم انها لا تملك أكثر من هذا المبلغ، يلقي النقود على الأرض وينصرف وهو يكيل لها وابلا من الشتائم والسباب فتطأطئ الراس، تنحني لتلتقط النقود المتناثرة أمام أعين المارة التي ترمقها في فضول كأنها كائن عجيب نزل من كوكب آخر.. وما لبث الفتى أن عاد أدراجه والشرر يتطاير من عينيه.. قال في عجرفة :
--هات الفلوس.. ملا جيعانه... عشره دينارات ما تكفيش قهوتي ودخاني..
تسلمه الأم النقود بيد مرتعشة ووجه تجمدت ملامحه. شعرت بالحرج والعيون تتفحصها، تكاد تعريها.. تغيب في الزحام وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة.. ويضيع صوتها بين أصوات المارة.. على جانبي الطريق رأيت الحمامة مضرجة بدمائها تنزف والثور الهائج يمعن فيها رفسا بينما الجمهور يتفرج.. حاولت أن أبعد الهواجس عن نفسي فحوقلت وبسملت... ثم واصلت طريقي أحث الخطو قبل أن يفوتني الوقت ويخصم مني صاحب المعمل أجر بعض ساعات العمل
أسماء المصمودي تونس - 13/11/2020 .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق