السبت، 26 ديسمبر 2020

بيت علي التل بقلم // علي غالب الترهوني

 بيت على التل

_____________


هناك تماهي غريب حين تمتزج الطبيعة بالسماء أو ربما حين يلتقي الشفق بالماء هناك أشياء لا يمكن أن يطلع عليها أحد مثلما كنا نفعل في الزمن الأحوى تسحبنا المفترقات إلى نقطة واحده نشبك أيادينا ونمضي نصعد التباب تلو التباب والهضاب تلو الهضاب وعندما نصل إلي المرج تغطينا طيور الربيع نلاحقها بعيوننا حتى نصاب بدوار يشبه دوار البحر لكن النسيم عليل والتماهي غريب تحدث الطيور ظلالا وتنشأ سحابة سوداء كأن المطر سيهطل عما قريب - 

المرج أخضر وجميل وبساطه الوردي يمتد إلي الأفق البعيد حين كنت طفلا جردتني أمي من ثيابي وأدلقت الماء على جسدي بعد أن سحبته باكرا من الغيط شعرت بجسمي يرتعش وجدتني أصر على أسناني وأرمم حزمة عظامي وعندما تنتهي تغمرني بالمنشفه . المنشفه لها رائحة نفاذه أمي لا تستعملها كثيرا تقول يجب أن يظل كل شئ نظيف قد يداهمنا الأغراب في لحظه ... فاستعيد عافيتي قليلا لكن أوصال مازالت ترتعد نعم ترتعد أكاد أسقط على الارض لكنها تربت على كتف - أنت لست صغيرا الآن سأعطيك الكوكبرنج هيا أسكت الأن وهدي من روعك .... أقفلت باب البيت بالمزلاج بيتنا يقع على التل يتوسط مرجا من نبات الزعتر والشيح والعرار الرائحة تجذبني دائما إليها حتى حين كنت ألعب وحدي كنت صغيرا ولا يعرفني أحد أمي نزحت إبان حرب الملثمين من بنغازي ووالدي غادر طرابلس بعد الثوره البيضاء والتقيا على قمة الجبل وكان زواجا غريبا جئت على إثره أنا وقد أطلقت علي جدتي إسم عمر وحين سألتها قبل أن تموت قالت - لتعيش طويلا ليكون عمرك مديدا - لم أفهمها قلت نعم - 

باب البيت مشرعا على السماء وقد إستغل والدي ذلك وصار يدعو الله من السقيفه كان اللة يحبنا وقد إستجاب له حين طلب أن يراني - المهم 

كانت امي تسرع  خطاها وهي تنحدر بي إلي أسفل المرج تاركين البيت على القمة الخضراء وحين تستريح بنا الأرض نشق المصرب إلى أن يصل بنا الدرب إلى المفترق الذي جمعني برفاقي ترفع سبابتها فوق فوق أنظر هذه تسمى طيور الربيع بدونها لا وجود للحن الحياه ربيع وأزهار وشقشقت العصافير وحشرجت الأشجار هكذا يمكن أن نشعر بمتعة الحياه هيا بنا - 

مازلت أتشبث بردائها المقلم و المطرز بالحرير مساحاته ارجوانيه غير جرداء سرعان ما تحيط بالأرداف والظهر أصابع من المخمل البراق كانت تتباهى به كثيرا قالت لإحدى نديماتها ذات مساء أتت مع عصر الجمعه لتشرب عندنا عصير الرمان - ابتسمت ثم قالت ..... اشتريته من سوق الجريد ابتعته من بائع مسن جاء به من بلاد الأمازيغ ثم تنتابها موجة ضحك هكذا كانت ترى نفسها تملك شئ مختلف عن الأخريات وأنا أيضا أظن ذلك كانت طوال الطريق تقول لي ... أنت رجلي الآن عليك أن تحميني من الغرباء أترى كيف ينظرون إلينا لا تهتم هيا أسرع - 

نمر على ذات المرج  الذي يضم مجلسنا الآن مازال سراكوزا يربض إلي جوار السياج الصنوبري ومازالت فلول الخرمه تزحف حثيثا لتسحق المرج بقطعانها وما زالت الشمس في الأفق - لم يخطر لي أن سألتها إلى أين نذهب غير أنها أجابتني بلا سؤال .... سنذهب إلي الفرعونية ونطلق النذور هناك مرقدها سخي بالبركات وأعوانه يملؤن الارض هيا أشبك يداك وراء ظهرك لقد وصلنا - 

كان المرقد مسجى بنيت صومعة صغيره عند رأس العرافة وثبتت أعواد من أفرع الأشجار علتها خرقا خضراء وبيضاء وأخرى لا لون لها كانت أمي قد جلبت معها صرة صغيره دست يدها وسحبتها ورمت لي بالكوكبرنج تهللت أساريري صارت تنظر إلي لقد آخرتها قبل أن أكمل التقطت خرقة مرمية على الارض وفركت أصابعي ثم طلبت أن اساعدها في جلب الحطب وحين تجمع لدينا ما يكفي أشعلت  عند الصومعة موقدا صغيرا واضرمنا فيه النار حتى تعالت اللسنة اللهب تركناها حتى همدت ثم سحبت علبة مزدانه بنقوش حمراء وصفراء حين نزعت عنها الغطاء إنبعثت منها رائحة نفاذه ولها وقع غريب قبضت بين أصابعها على الغبره البنيه وبعثرتها على الموقد فتصاعد الدخان ذا الرائحة الجميله صرت الاحقه بيدي وادسه في عبي رأيتها تتمتم طلبت معونة الأرواح والعرافة لم تستيقظ جلسنا لبرهة ثم عدنا إلى البيت - 

مرت هذه الذكرى مرور السحاب وأنا أتوسط المرج أنا ورفاقي ومنذ ذلك اليوم لم يجمعنا مجلس آخر 

___________

بيت على التل - عنوان مجموعتي القصصيه الأولي والتي صدرت عن دار الفتح للنشر بالقاهرة عام 2004

______________

على غالب الترهوني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق