قصة قصيرة
طارق الليل
المقطع الثالث و الاخير
يتقدم باتجاه ملاذها فيهشّهن يعصاه لكنه فوجئ بهجمتهن من كل جانب. وقد أصاب بعضهن بضربات مميتة. غير أن أشرسهن قد اخترق التهيب ، فاقتحم مقاومته . و الكلاب الأخرى تحاصره، فلم تسعفه يده ولا الظلام الذي حال دون استعادة العصا التي ابتعدت عنه بفعل تدحرجه .
حاول أن يلوذ بالسلال ، فلم ينل سوى مخارطها. دون أن يكون بمقدوره :أن يشاهد غصناً واحداً لينتزعه .
تقهقر بارتباك ، على أملِ أن يحتمي بشيء، حتى لو كان قبضة من قش . فلم يسعفه وقته. لأن الكلب قد التف مطوقاً حركته. فوّت عليه أية فرصة.. فضاقت عليه سبل الخلاص .
فاز الكلب بنيل فخذه، منتفضاً به . كأنه يمعن .. أن يقتطع، ما أمسكت به أنيابه .
أرتبك أكثر، فاسند قفاه إلى الجدار، متلافياً أن يركع أمامه . متجاوزاً اندفاع الكلب، لكي يكون بوسعه ، أن يبتعد أكثر . بينما ظلت يسراه تهش الأخريات .
الكلب الكبير يمعن باقترابه أكثر من بغيته . أن يكتسب نقاط ضعفٍ أُخرى .. فيطلق هريراً مزمجراً. و الكلاب التي هي أقل اندفاعاً، أمسكت بأذياله ، لتحجم دفاعَه، و يقفن بين حين و آخر مكتفيات بالنباح ، و تَرَقُّب ذلك الصراع ، كأنهن ملتزمات بأدوار .
روّعته تلك اللحظات .. كفرد مستلب ، لا يملك عوناً سوى يساره.التي تحاول أن ترعبهن ، و تحيّد البقية بجهد مشتت ، يفتقر لفرصة متكافئة ، و الكلب الكبير يمعن باختراق الجوانب الأكثر ضعفاً .
ألأنفاس المتوحشة ، تلهب وجهه. و الأنياب الشرسة، توشك أن تطبق على رقبته . فيهشّه بيساره . يحتوي الكلب ذراعه بين أنيابه، و ينتفض فيها نفضاً .
يدفع بيمينه تلك الرقبة المشعرة المتوحشة، ليبعد الأنياب الضارية ، و يطبق عليها بكل ما أُتي من قوة ، آخذاً بخناقه .
يزداد استماتة بمقاومته ، ألتي تشبثت بحب البقاء . كأنه يستشرس بوجه شراسة الكلب . كأنه يستميت و يتصلب كالحجر . و يفزع إلى حالة التوحش . ويتدرع بصوت.. قٌدّ من لغةٍ ليست بآدمية . صوت قد استلّه من عالم سحيق . عالم التفاهم باختراق اللحم و تذوق .. مذاق الدم . كي يتعامل . بما هو من لغة التوحش و الضراء البغيض . بصوت . و كفٍ.. و تكشيرة :من سلاح خارق لا إرادي ينكفئ بها : إلى روح البدائية و التخاطب بسيادتها آنذاك .
فلكي يواجه تلك الهجمة : جرى ابتلاع التحسس بألم اليد . حينئذ .. أمعنت اللحظات تترادف كالشهب بما لا يتوقع . فبرقت بسياقات حدثية ، تومض بذهنه الذي استعاد بعض صفائه . فتنفلت ذراعه من فم الكلب لتعزيز مقاومته ، و لكي يتجاوز دائرة الحصار الوحشي ، يُطبق بيديه على الرقبة و يستميت بذلك . ثم تستدير ساقاه بحركة واعية ، و يُحكِمْ سيطرتَه على العنق ، ثم يطرحه أرضاً ، و يعتلي بثقل جسده من فوق رقبته ، ليزيد من خناقه . وعبر زمن مجهد ٍ، لا يذعن إلى سطوة مخالب الكلب الجارحة . و عبر هذا الصراع الدامي .. يستحيل الكلب إلى جثة هامدة .و الكلاب الأُخريات تُولّي الأدبار .
حين استرد أنفاسه المتلاحقة .. عاد ليبحث في بقايا ثيابه الممزقة و استل مقدحتَهُ و لفافة ولّعها بيد مرتعشة مألومة ، ثم جمع كل ما أمكنه من حطام الحلفاء و أضرم النار .
بدأت النار تضطرم . اقترب أكثر . أسفرت تلك الظلمة عن أسواق مقفرة . استكان للدفء. فأتاح ذلك لقيس : أن يتعرّى عن ثيابه المبتلّة بالمطر و الدماء .
ألسنة النار تمتد إلى كل شيء قريب . المهم أن يتدفّأ أن يغمض عينيه ولو إلى حين . فأحس : أن الوهج يداعب جفنيه. كان الهشيم يحترق و يتلاشى سريعا. كأنه عزومٌ أن يضطرم . فواصلت ألسنة النار زحفها. راقبها بنصف اغماضة. كأنها امرأةٌ متوهجةٌ، هي ليلى . إرجوانية ، شعشعت غلالتُها بنور خاطف.وشعرٍ كحقلٍ ذهبي. أقبلت بذراعينٍ مشرعتين، لكي تُطبق عليه بشوق شبقي طاغ ٍ . استلقى هو بطوله ، لكي يترك لها انفراجا رحباً ، نحو جسده المتعب المقرور.، لينغمر بكامله في لظى قلبها .
كان التوهج يخطف بصرَه و يؤذيه ، فيتزحزحُ نحو عمق مأواه.مفسحاً للهفتها متسعاً، لكي تتقدم وتغمره بقبل ناريّة. و تطفئ لظاها في جسده. والأيدي النورانية، تسدل على بوّابة الملاذ.. غلالةً من سحبٍ بيضاء.
كان مشهداً عرسياً.. تكتمل طقوسه سرّا . وأن تتألّق القناديل ، بإتجاهات شتّى .
أمعن الأجيج .. يدفع بأعمدته المضطرمة. و سقف السوق يتزحزح، لكي يدفع بسطوع.. يجلو حلكة المدينة، و يمد ألسنته باتجاه السماء.
المدينةُ ترقدُ، في عزلةٍ عن هذا الاحتفال. لكنها ..تهجس في عمق نواح مطري ثقيل: إن ثمة استغاثة مبهمة ، لنداءٍ مستضام، تعالى على نحوٍ موجع.
موسى غافل الشطري
10/شباط/2002
· مقتبسة من شعر أحمد شوقي بتصرف
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق