ـ سمك بلا حسك
ــــــــــــــــــــ
في سهرة أنس ذات ليلة شتويّة زمهرير ..جلست العائلة تستمتع بدفء آخر الوقود في خزان المدفأة.. تتسامر.. يسردون حكايا الزمن الجميل قبل النزوح إلى المدينة.. اللهب المتوقد هو الآخر أحس بقرب نهايته فراح يستعرض أشكاله وألوانه على إيقاع الحكايا الجميلة.. تذكرت الزوجة أيام العزّ في البيت حيث كانت تتوقد أكثر من مدفأة.. كان الصغير يقلب كتاب العلوم فانتبه لصورة غريبة لم يعرف اسم كائنها ..سأل أباه عنه.. نظر إلى زوجته نظرة استغراب.. ماذا سيجيب الطفل.. همس معك حق ياولدي فأنت ولدت في هذه الظروف العصيبة وهذا الكائن لم تره فقد أصبح بعيد المنال وربما صار لفرط الغلاء كائنا يطير بعدما كان يسبح في الأنهار والبحار وصار بعيدا بعد البحر ونادرا كندرة ماء النهر وأسماكه ..تفتحت شهية الطفل واستفاق فضوله على طرح الأسئلة أكثر..كيف يخرجونه من الماء.. كيف يطبخ.. كيف يؤكل.. كيف.. كيف.. حتى كاد الوالد أن يضجر.. وببعض الغضب حاول الرد على الصغير هكذا..هكذا ينظفونه وهكذا يضعونه على النار ولم يشأ أن يذكر الحراشف والزعانف حتى لا تهطل الأسئلة كالمطر الهاطل في الخارج..وصمت برهة ينظر إلى طفله بعين الرحمة.. ضمه إلى صدره ووعده لو تمكن ذات يوم سيريه كل هذه الخطوات. ليتعرف عليها جميعها حتى طريقة أكله حين يستقر برائحتة الشهية ولونه الذهبي إلى جانب المقبلات يزين المائدة.. وسرح بخياله بعيدا وراح يستنشق الهواء بعمق كأنما تذكر تلك الرائحة اللذيذة والدخان يتصاعد في الأجواء.. أفاق من تحليقه.. وشرع ينداح بذكرياته مخاطبا زوجته.. أتذكرين قريتنا ومطاعمها الكثيرة وقد اختصت بشيّ السمك والكباب وكيف كان يقصدها الناس حتى من المدينة وسائر البلدات والقرى المجاورة والمسافرين العابرين حتى صارت حديث المتذوقين.. هل تصدقين إلى هذا الوقت يسألني الناس عندما أذكر لهم اسمها.. هل عادت مطاعم السمك المشويّ لسابق عهدها..بلع ريقه مرات.. تنهد تنهيدة عميقة.. وضع يده على بطنه وراح يضغط عليها كما لو أنه أحس بالجوع..نظر إلى المدفأة شعر بنهاية الوقود.. قال لزوجته ما رأيك أن نغتم الفرصة ونشوي بدل السمك بعض حبات البطاطا.. أسرع إلى المطبخ وأحضر بعضا منها وأدخلها في النار مع بصلتين كبيرتين بعد أن جهز الملح والكمون أما الزيت فلم يجده.. وضعهما في السفرة وراح ينتظر نضجها وهو يسرد لها ويذكرها بذلك اليوم الذي ذهب فيه إلى النهر لاصطياد السمك.. يومها أكلوا سمكا كثيرا ولم ينسوا الجيران.. نسي شواءه في غمرة الحكاية ..أحس بالبرد.. كان اللهب يغالب الإنطفاء.. لم ينضج السمك بلا حسك.. أكملوا عشاءهم بالبصل المشوي والخبز.. وهو ينظر إلى طفله النائم و يسمع شخيره العالي وقد غطّ في نوم عميق قبل العشاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
د. عبدالله دناور 4/1/2021

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق