الثلاثاء، 12 يناير 2021

أبحث عن الحب بقلم // عفاف علي

 أبحث عن الحب


ثمة وسادة مبتلة بالدموع، بجوارها امرأة تمسك كتابًا صغيرًا، تقرأ بشغف و نهم كأنها تلتهم الحروف ، على مقربة منها يجلس ظلّ رجل، يمسك بيده كأسًا يرتشف منه،  صوت أم كلثوم يصدح بجوار أذنه العريضة، يمد يده نحو زر الراديو المتهالك، يسير في بطء و كسل، إنه سكران يترنح، يخاطبها : هل أنتِ مستيقظة عزيزتي؟.

- تجيب في ضجر : لا ، كنت نائمةً ، استيقظت على كابوس .

تتعالى ضحكاته ، يهتز السرير بهما، تشعر بدوار ، تترك له  الكتاب و تنهض، تسرع قبل أن يلتهمها الظلّ .

يحاول أن يقرأ اسم الكتاب لا يستطيع، هو تاجر و كل ما يعرفه أسعار البورصة ، يجيد جمع الأموال . 

يهز رأسه بسخرية مع مط شفتيه اعتراضًا على وضعه المزري فزوجته تكرهه ، ترفض طاعته، هي مختلفة ليست مثل النساء، تستلم الوسادة رأسه ، فيرتفع الضجيج .

على نار هادئة تصنع لنفسها كوب سم كما تقول دائمًا .

أخبرها الطبيب: أن سبب مرضها؛ القهوة و التدخين و زوجها الذي سبب لها ارتفاع الضغط الدموي، و نسبة الكافيين في الدم .

تنظر لنفسها في المرآة، تتسمر في مكانها، تسأل: من أنتِ؟ .

يربكها فوران القهوة، و انطفاء النار، يجيبها صوت من الأعماق. 

تتدحرج بها الذاكرة نحو الخلف، تصطدم رأسها بقوة في الحائط تصرخ: آه، تجيبها رأسها : لا تقولي آه واحدة عزيزتي .

تسقط علي الأرض، يفترش جسدها السجادة الناعمة.

تتطلع نحو سقف بيتها المزخرف، تعاود السؤال من أنتِ؟ .

جاءت ملائكة أفكارها ترفرف حولها قائلةً: أنتِ ظالمة، أردت المال و الجاه و السلطة، أنتِ رفضت الحب .

اعتراها الحزن و هي تقرأ رواية الغانية، تلك الراقصة الفرنسية الحالمة، التي عشقت شابًا فقيرًا و هي ملك لوجيه من وجهاء الحكم يمتلك المال و الجاه، تمنت أن تنتهي الرواية بترك اللورد و ذهابها إلى الشاب المحب . 

تشتت أفكارها عبر الحروف و الكلمات، وضعت كفيها على وجهها .

تسرع شياطين أفكارها بالحضور، تحتضنها و تواسيها، يقولون لها: أنتِ ضحية الحب، أنتِ لم تتركيه يموت، إنما قتله فقره و عجزه، أنتِ مقتولة بخنجر الحب .

طغى عليها بريق رسائل مي زيادة التي كانت ترسلها لحبيبها جبران، داعبت عيناها بعض الكلمات و هي تبكي "إني أخاف من الحب كثيرًا، لكن القليل لا يرضيني،، .

تنهدت فخرجت من داخلها نيران الشوق، تجتاح بيتها الثلجي، أغلقت عينيها لتنام؛ سمعت صوت زوجها يصرخ: أين الطعام؟.

تتطلع في وجهه ببلادة، تراه يشبه القراصنة في الروايات القديمة ، تذهب لتجهيز الطعام ، مازال يصرخ: أنتِ امرأة مجنونة، لا تجيدين غير القراءة، لم أتزوج لأتعلم، أنتِ بليدة المشاعر أين الحب ؟ .

حملت سكين الطعام و اتجهت إليه، قالت: عن أي حب تتحدث، و أنتَ عديم المشاعر، أمسكت بالكرسي و جلست عليه، كانت عيناها في عينيه: متى قلت لي أخر كلمة حب؟ أخبرني .

عم الصمت ، هو يخشى السكين التي في يديها، يعرف أنها تتناول العديد من المسكنات بسببه . يغتالها حنين الحب، هي تريد مجرد كلمات، لا تريد الملابس الغالية والمجوهرات، تريد الحب .

نظرت له و قالت: بابلو نيرودا قال لزوجته : "احرميني الخبزَ إن شئتِ ، احرميني الهواءَ ، لكن لا تحرميني ضحكتَكِ" .

لماذا لم تكن مثله يومًا حتى أشعر بحبك لي .

نظر لها بسخرية و قال: أنا عربي، هل تفهمين معنى عربي؟ قالت: نعم، طه حسين عندما قال لسوزان :"بدونكِ أشعرُ أنّي ضريرٌ حقّاً ، أما و إنّي معكِ فإني أتوصلُ إلى الشّعورِ بكلّ شيء" و كان عربيًا .

 احمر وجهه من الغضب، ما بها تهذي أمامه بكلام مقتطع من الروايات و القصص . 

صرخ في وجهها: أنتِ مجنونة و مملة ترفضين طاعتي، و عندما أتقرب من جسدك اللعين تهربين متحججة، كيف أقدم لك الحب إذن؟ هيا أخبريني .

فرت هاربة نحو غرفتها وعادت تحمل عشرات الكتب، تطلعت في عينيه و قالت: أريد حبًا مثل هذا! و ألقت بالكتب على سجادتها الناعمة .

أخرجت من جيبها عدة وريقات مكتوب فيها ( من كافكا إلى ميلينا : أنا لا أحبٌّكِ أنتِ بَلْ أُحبُّ ما هو أكثر من ذلك، أُحبُّ وجودي الذي يتحققُ من خلالكِ). 

( من مريد البرغوثي إلى رضوى عاشور : أنتِ جميلةٌ كوطن مُحرر و أنا مُتعبٌ كوطن مُحتل ). 

( من غسّان كنفانّي إلى غادة السّمان :"مأساتي و مأساتُك أنني أحبُّكِ بصورةٍ أكبر من أنْ أُخفيها و أعمق من أنْ تَطمُريها ). 

(من جيفارا إلى زوجته :عزيزتي تمسكي بخيطِ العنكبوت و لا تستسلمي ). 

تعالت ضحكاته الساخرة، مزق الورقة و القاها بوجهها قائلا: أنتِ امرأة مجنونة و حمقاء، تعيشين خلف الروايات، هل تطعمك الروايات و القصص؟ أجلب لك الذهب و الماس و السيارات و أنتِ تعيشين وسط الأموات .

صفعها على وجهها، ثم أمسك بحقيبة ضخمة جمع فيها كل الكتب و ألقاها في القمامة .

ذهب يبث حزنه لصديقه، الذي أقنعه أن يطلقها أو يتزوج عليها فالنساء العنيدات و المثقفات لا يفهمن الحب، لا يقتنع بالهدايا و الأحضان .

عندما عاد في المساء، وجدها معلقة في سقف حجرتها، لقد قررت أن تصنع هي النهاية، و تحرر عذابها بيدها .

وجد عشرات الأوراق التي تحمل رسالة إنتحار منها تخبره أنها كانت تبحث عن الحب و لم تجده في بيته الكئيب، أخبرته أنها حاولت أن تحبه أو تعلمه معنى الحب ، لكنه رفض، زينت رسالتها بجملة من رسالة ( فرجينيا وولف إلى زوجها ( أيّها العزيز، لقد عدتُ إلى الجنون مرة أخرى و لا أظنّ أن بإمكاننا النجاة مجددًا من تلك الأوقاتِ السيئة أنا لن أتعافى هذه المرّة أصبحتُ أسمع أصواتًا كثيرة داخل رأسي و لم أعد قادرةً على التركيز ). 

لقد أحرقت السرير و ملابسي الغالية لأقنعك أنني أبحث عن الحب، عن الكلمات التي تجتاح مشاعري كالشهب. 

جلس على الأرض يضحك، هل كانت زوجته مجرد امرأة مثقفة ؟ أم قتلتها رسائل الحب المزيفة؟ أم أنها مجنونة .


عفاف علي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق