السبت، 6 فبراير 2021

محراب عينيك بقلم//صفاء حسين العجماوى

 #محراب_عينيكِ

#صفاء_حسين_العجماوي 

-٦-

- ثيو... ثيو

صوت أنثوي ناعم مهدج ينادي بدلال، يمتزج بزقزقة العصافير العائدة إلى أعشاشها. الشمس تسحب أشعتها الذهبية لتنشرها في مكان أخر. يحمل الهواء الصوت النعم والفراشات المودعة لبتلات الأزهار ويتجه صوب فارس قيشو المحبوب ثيو الذي يقف فوق تلة صغيرة حاسر الرأس يرتدي منامته الحريرية البيضاء يتلفت باحثًا على صاحبة الصوت الآسر. نسمات تداعب خصلات شعره، وتهمس بأذنه ترشده لوجهته. ركض ثيو يتقدمه فرسه الأشهب يحثه على اللحاق به، ليصل إلى البحيرة التي تتوسط غابة الموت.

- ثيو أقبل يا ثيو.

صوت ساحر سلب لبه جعله يتقدم بثبات حيث تجلس برقة فتاة ذات شعر بني مموج طويل يعبث به الهواء، ترتدي فستان حاكته الجنيات تتجلى فيه زرقة السماء التي تعزف عليها أشعة الشمس مقطوعتها الصباحية. تعطي وجهها لصفحة الماء ترسم عليها بأناملها، وتقابله بظهرها، وعلى كتفيها تجلس حمامتان في استكانة.

 جلس عند قدميها، وقال لها بصوت متحشرج: لبيكِ فاتنتي.

ثم مال بجزعه نحوها، وهو يمد يده لكتفها يديرها، فلفت بسرعة لتقابله عينيها المشتعلتين بجمر الغضب، ويدها تحمل سيفًا أخرجته من الماء لتصيب قلبه، وهو يهتف بدهشة: أنتِ.

انتفض جسد ثيو المحموم، تحت يدي مربيته العجوز التي تغمر جسده بالماء البارد بمساعدة ليو والطبيب.

*. *. *. *.

مرت ثلاثة أيام وانتهى العزاء، وتوقف توافد المعزين على قصر الوزير الأمير زيدون الذي حبس نفسه في جناحه، ولم يسمح لأحد للأقتراب منه سوى خادمه العجوز برهان، بينما حُملت سمية إلى أقصى أجنحة القصر الشمالية، ووضع بخدمتها خمس جاريات وطبيبة مقيمة، فيبدو أن عقلها الغائب لن يعود قريبًا. في الجناح الرئيسي لنساء القصر كانت صفية تلف في دوائر ومن خلفها وصيفتها المقربة دلال، وعلى الأريكة تجلس صديقتها الصدقة الشيماء التي كانت تراقبها في قلق. توقفت صفية وتركتهما واندفعت نحو جناح والدها دون أن تنبث بكلمة.

بطرقات مهذبة مميزة عرف زيدون أنها ابنته، لم يرد أن يسمح لها أن تراه منكسرًا، إلا أن برهان بنظرة منه جعله يأذن لها بالدخول.

 أندفعت صفية لترتمي بين أحضان أبيها، وهي تقول بمحبة قلقة: آه يا والدي الحبيب.

تحرك برهان بخفة مغادرًا المخدع دون أن يشعرا به، وأغلق الباب بهدوء. 

مسح زيدون على رأس ابنته وهو يبكي، فرفعت صفية رأسها، وقالت بأسى: أعلم يا أبي ما بك من حزن على فقد الابن والحفيد، وانقطاع النسل، وضياع الذكر، ولكن ليس هذا وقت الحزن.

رفع والدها نظره نحوها باستفهام، فاعتدلت في مجلسها، وقالت بحزم: أبي يجب أن تتزوج وتأتي لك بالذكور.

انتفض والدها، وسألها باستنكار: هل جننتي يا صفية؟ أني لم أتزوج بعد وفاة أمك أكرامًا لها، فهل أتزوج الآن بهذا العمر؟

أجابته بثبات: يا أبي أنك كنت لي ولحماد نعم الأب، ولأمي نعم الزوج الوفي، فمنذ وفاة أمي عند وضعها لي، وأنت كنت لنا كل الأهل، ولكن هل تقبل بجفاف نسل آل زيد؟ هل تريد أن يكف التاريخ عن ذكرنا؟ أن يضيع ما قدمه الأجداد؟. بربك يا أبي.

صمت زيدون فقد بدأ يقتنع بكلام ابنته، التي استغلت صمته ولم تتركه ألا بعد أن حققت مرادها في عشر دقائق.

#يتبع


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق